لكم أن تدخلوا بيوتَ أهل الكتاب إلا بإذنٍ، ولا ضربَ نسائهم، ولا أَكْلَ ثمارهم، إذا أعطَوُا الذي عليهم )) [1] ، وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم قد ترك يهودَ خيبرَ على أمان بعد فتحها؛ ففي الصحيحينِ عن عبدالله بن عمر قال: إن عمرَ أجلى اليهود والنصارى من أرض الحجاز، وإن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لَمَّا ظهر على خيبرَ أراد إخراجَ اليهود منها، وكانت الأرضُ لَمَّا ظهر عليها لله ولرسوله وللمسلمين، فأراد إخراجَ اليهود منها، فسألت اليهودُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أن يقرَّهم بها، على أن يَكْفُوا العمل، ولهم نصف الثمر، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لهم: (( نقرُّكم بها على ذلك ما شئنا ) )، فقروا بها، حتى أجلاهم عمرُ في إمارته إلى تيماءَ وأريحا [2] .
إذًا كان إقرارُهم في خيبرَ مشروطًا، فماذا حدث حتى أخرجهم منها عمرُ بن الخطاب؟ عن عبدالله بن عمر قال: أتى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أهلَ خيبر، فقاتلهم حتى ألجأهم إلى قصرِهم، وغلَبهم على الأرض والزرع والنخل، فصالَحوه على أن يجلوا منها، ولهم ما حملت ركابُهم، ولِرسول الله صلى الله عليه وسلم الصفراءُ والبيضاء والحلقة - أي السلاح - ويخرجون منها، واشترَط عليهم ألا يكتُموا ولا يغيِّبوا شيئًا، فإن فعَلوا فلا ذمةَ لهم ولا عهد، فغيَّبوا مَسْكًا - جلدًا - فيه مالٌ وحُليٌّ لحُيَي بن أخطَبَ، كان احتمله معه إلى خيبر حين أُجلِيَت بنو النضير، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لعمِّ حييٍّ - واسمه سعية: ما فعَل مَسْكُ حُيي الذي جاء به من بني النضير؟ فقال: أذهبَتْه النفقاتُ والحروب، فقال: العهدُ قريبٌ، والمال أكثرُ من ذلك، وقد كان حييٌّ قُتِل قبل ذلك، فدفع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم سعية إلى الزبير، فمسَّه بعذابٍ، فقال: قد رأيت حييًّا يطوفُ في خَرِبةٍ ها هنا، فذهَبوا فطافوا، فوجَدوا المَسْكَ في الخرِبة، فقتَل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ابني أبي الحقيق، أحدهما زوج صفية بنت حيي بن أخطب، وسبى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم نساءهم وذراريَّهم، وقسم أموالهم بالنَّكث الذي نكثوا، وأراد أن يجليَهم منها، فقالوا: يا محمد، دعنا نكون في هذه الأرض نُصلِحها ونقوم عليها، ولم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا لأصحابه غِلمانٌ يقومون عليها، وكانوا لا يفرُغون أن يقوموا عليها، فأعطاهم خيبرَ، على أن لهم الشطرَ من كل زرع وشيءٍ، ما بدا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان عبدُالله بن رواحة يأتيهم في كل عامٍ فيخرُصُها عليهم - أي يقدر ما فيها من ثمر - ثم يضمِّنُهم الشطرَ، فشكَوْا إلى رسول الله صلى
(1) أخرجه أبو داود.
(2) جامع الأصول 1131.