فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 156

كم باليمامة مِن شعثاءَ أرملةٍ = ومِن يتيمٍ ضعيفِ الصوت والنَّظر

ممن يعُدُّكَ تكفي فَقْدَ والده = كالفَرْخِ في العُشِّ لم يدرُجْ ولم يَطِرِ

إلى أن قال:

هذي الأراملُ قد قضيتَ حاجتها = فمَن لحاجةِ هذا الأرملِ الذَّكَر؟

فقال: يا جرير، ما أرى لك فيما ها هنا حقًّا، قال: يا أمير المؤمنين، إني ابنُ سبيل منقطع به، فقال له: ويحك يا جرير، قد ولينا هذا الأمرَ ولا نملِكُ إلا ثلاثَمائة درهم، فمائة أخذها عبدالله، ومائة أخذَتْها أم عبدالله، يا غلامُ، أعطه المائةَ الباقية، فأخَذها جريرٌ، وقال: والله يا أمير المؤمنين، لهي أحبُّ مال اكتسبتُه، وفي رواية أخرى أذِن لكُثَيِّرِ عزَّةَ وقال له: قُلْ ولا تقُلْ إلا حقًّا؛ فإن الله سائلك، فقال:

وليتَ فلم تشتمْ عليًّا ولم تُخِف = بَرِيًّا ولم تتبَعْ مقالةَ مجرِم

وقلتَ فصدقت الذي قلتَ بالذي = فعلتَ، فأضحى راضيًا كلُّ مسلِمِ

إلى آخر القصيدة، ثم قال: يا كُثَيِّرُ، إن الله سائلُك عن كل ما قلتَ.

ثم أذِن للأحوص وقال: قل ولا تقل إلا حقًّا؛ فإن الله سائلُك، فأنشده:

وما الشِّعرُ إلا خطبةٌ من مؤلِّفٍ = بمنطقِ حقٍّ أو بمنطق باطلِ

فلا تقبَلنْ إلا الذي وافَق الرضا = ولا ترجعنا كالنِّساءِ الأراملِ

إلى آخر القصيدة، ثم قال له: يا أحوص، إن الله سائلُك عن كلِّ ما قلت، ثم تقدَّم إليه نصيب فاستأذَن في الإنشاء، فلم يأذَنْ له، وأمَره أن يلحق بدابق، وهي قرية قريبة من حلب، ثم قال لهم: ما عندي ما أعطيكم وأواسيكم؛ فانتظروا حتى يخرجَ عطائي، ولما خرج عطاؤُه أعطى اللذينِ أنشدا ثلاثَمائة درهم، ولنصيب مائة وخمسين [1] .

قال الإمام النووي في رياض الصالحين تعليقًا على المدحِ بعد أن أوردَ أحاديثَ النهي:

فهذه الأحاديثُ في النهي، وجاء في الإباحة أحاديثُ كثيرة صحيحة؛ قال العلماء: وطريق الجمعِ بين الأحاديث أن يقال: إن كان الممدوح عنده كمالُ إيمان ويقين ورياضة نفسٍ ومعرفة تامة، بحيث لا يفتَتِن ولا يغترُّ بذلك، ولا تلعَبُ به نفسه - فليس بحرامٍ ولا مكروهٍ، وإن خِيفَ عليه شيءٌ من هذه الأمور كُرِه مدحُه في وجهه كراهةً شديدة، وعلى هذا التفصيل تنزَّلُ الأحاديثُ المختلفة في ذلك، ومما جاء في الإباحةِ قولُه صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه: (( أرجو أن تكونَ منهم ) )؛ أي: مِن الذين يُدْعَون من جميع أبواب الجنة لدخولها، وفي

(1) انظر تفصيل ذلك في قصص العرب، ص 248، ج 2.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت