التنكيل به، أو ضربه بسيف مفلول، ومع ذلك فإنه لا يصحُّ لولي المقتول تنفيذُ القتل إلا بحُكم مِن وليِّ الأمر؛ ففي صحيح مسلم أن رجلًا أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقُودُ آخَرَ بنسعة، فقال: يا رسول الله، هذا قتَل أخي، فقال له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (( أقتلتَه؟ ) )، فقال: إنه لو لم يعترِفْ أقمتُ عليه البيِّنة، قال: نعم، قتلتُه، قال: (( كيف قتلتَه؟ ) )، قال: كنتُ أنا وهو نختبط من شجرة - أي نضربُها بالعصا ليسقطَ ورقُها - فسبَّني، فأغضَبني، فضربته بالفأس على قرنه، فقتلتُه، فقال له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (( هل لك من شيءٍ تؤديه عن نفسِكَ؟ ) )، قال: ما لي من مالٍ إلا كسائي وفأسي، قال: (( أترى قومَك يشرُونَك؟ ) )، قال: أنا أهونُ على قومي من ذلك، فرمى إليه رسولُ الله بنسعتِه - وهو سير من الجِلد تربط به الدابة - وقال: (( دونك صاحبَك ) )، فانطلق به الرجلُ، فلما ولَّى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن قتَله فهو مِثلُه ) )، فرجع الرجل إليه فقال: بلَغني أنك قلت: (( إن قتَله فهو مِثلُه ) )، وما أخذتُه إلا بأمرك! فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (( أما تريد أن يبوءَ بإثمِه وإثمِ صاحبك؟ ) )، قال: بلى يا نبيَّ الله؛ فإن ذاكَ كذلك، قال فرمى بنسعته وخلَّى سبيله [1] .
من هذا نستنتج:
1 -أنه لم يدفعه إلى وليِّ المقتول إلا بعد صدور الحُكم.
2 -أنه أوقف التنفيذ ندبًا لوجود الشبهة، فهناك رواية أخرى لأبي داود فيها:"ضربتُ رأسه بالفأس ولم أُرِدْ قتلَه"، وفي رواية الترمذيِّ:"ما أردتُ قتلَه".
3 -نستنتج أيضًا أنه لم يكن عند الرسولِ صلى الله عليه وسلم جلاَّد ولا سجن، فكان يسلم من يُقام عليهم الحدُّ لبعضِ أصحابه، ويطلُب منهم التنفيذ، لكن المصلحة فيما بعدُ جعلَتِ الحاكم يتخذُ سجنًا وجلادًا يجيد القتل.
4 -يجوز في القِصاص أن يعفوَ الوليُّ، أو أحد الأولياء، ولكن العفو لا يجوزُ في الحدود التي فيها حقُّ الله، ولو رضي المجني عليه، مثل: الزنا، والقذف، وشرب الخمر، والسرقة، والحرابة، والرِّدة والبغي، فإذا وصلت إلى الحاكم، وصدَر الحُكم، فلا عفوَ فيها؛ فعن أنس قال: ما رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم رُفِع إليه شيءٌ فيه قِصاص إلا أمَر فيه بعفو [2] ، وعن صفوانَ بن أمية قال: إن رجلًا سرَق بُردة له، فرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأمَر بقطعه، فقال: يا رسول الله، قد تجاوزتُ عنه، فقال: (( أبا وهبٍ، أفلا كان قبل أن تأتيَنا به؟ ) )، فقطَعه رسولُ
(1) ) جامع الأصول، رقم 7771.
(2) ) جامع الأصول، رقم: 7803.