فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 156

صلى الله عليه وسلم مرفوعًا: (( مَن قتَل معاهَدًا لم يَرَحْ رائحةَ الجنة، وإن ريحَها لَيوجَدُ من مسيرةِ أربعين عامًا ) )؛ انتهى كلامُ ابن كثير [1] .

أقول: وهذا توجيهٌ حَسَن وجَّه إليه ابنُ كثير، وإن لم ينصَّ عليه صراحة، وهو أن توجيه هذه الآية الكريمة {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الأنعام: 151] هو أمرٌ بالنسبةِ للحاكم ووليِّ الأمر الذي ينفِّذُ شرع الله، وليس هذا خطابًا للأفراد؛ لذلك قال: {إِلَّا بِالْحَقِّ} [الأنعام: 151] ، وبيَّنت الأحاديثُ السابقة موجباتِ القتل، وقال في فتح القدير: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ} [الأنعام: 151] اللامُ في النَّفس للجنس، و {الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ} [الأنعام: 151] صِفة للنَّفس؛ أي: لا تقتُلوا شيئًا من الأنفُسِ التي حرَّمها الله {إِلَّا بِالْحَقِّ} [الأنعام: 151] ؛ أي إلا بما يُوجِبُه الحق، والاستثناء مفرَّغ؛ أي: لا تقتُلوه في حالٍ من الأحوال إلا في حال الحق، أو لا تقتُلوها بسببٍ من الأسباب إلا بسبب الحق، ومن الحق قتلُها قِصاصًا، وقتلها بسبب زنَا المحصن، وقتلها بسبب الرِّدة، ونحو ذلك من الأسبابِ التي ورَد الشرعُ بها؛ اهـ فتح القدير.

أقول: إن أمرَ النهي هنا أمرٌ عامٌّ في قَتْل النفس، خاصٌّ في من يتولَّى أمر المسلمين بأن لا يقتل النفسَ إلا بالحقِّ الموجب للقتل، وليس هذا خطابًا للأفراد كما في المنهيات السابقة، وهي عدم الشِّرك، والإحسان إلى الوالدين، وعدم قَتْل الأولاد من إملاقٍ، وعدم إتيان الفواحش، فتلك المنهيَّات خطابٌ للجميع؛ أي: لجميع المؤمنين، أفرادًا وجماعات وأولياءَ أمور، إنما في القتل هو نهي لعموم القتل لجميع المؤمنين، وتقبيح للقتل بغير الحق، وهو نهي أيضًا على وجه الخصوص لوليِّ أمر المسلمين ألا يباشرَه إلا بالحق؛ لأن مَن له سلطة الحُكم هو ولي الأمر، لا أفراد المسلمين؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام كان الآمِرَ في تنفيذ العقوبات بعد الحُكم عليها، وكذلك خاطَب اللهُ نبيَّه داود فقال: {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [ص: 26] ، وكلُّ مَن يتولى أمر المسلمين هو الذي يعملُ على تطبيق شريعة الله، فينفِّذ العقوبات بالجُناة والمجرمين، ومن استحقوا ذلك بحكم الشرع، وقد ورد في تعريفِ الإمامة - أي: الخلافة - لبعض الفقهاء: (الإمامةُ موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدِّين، وسياسة الدنيا به"؛ ولذلك على وليِّ الأمر ألا يمتنعَ من إقامة حدود الله."

ومن هذا نخلُصُ إلى أن الأمرَ في تنفيذ أحكام الله لوليِّ الأمر، لا للأفراد، وإلا فستقع الفِتَنُ بدعوى أخذ كل إنسان حقَّه بتنفيذ العقوبات بغريمه؛ لذلك ورد في المغني"لا يجوز استيفاءُ القِصاص إلا بحَضْرة السُّلطان"؛ وذلك حتى لا يتجاوز وليُّ المقتول في تعذيبِ القاتل قبل قَتْلِه، أو

(1) ) ابن كثير، ص 189، ج 2.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت