قوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} [الأنعام: 151] ، وهي وصية الآباء بالأبناء، فهل كان العربُ يفعَلون ذلك؟!
كان بعضُ العرب يفعَل ذلك، وذُكِر: كان هذا في ربيعة ومُضَر، وقد ورد في الحديث عن ابن عباس قال:"إذا سرَّك أن تعلم جهلَ العرب، فاقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من سورة الأنعام: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 140] ."
وحدث فِعل هذا العمل المنكر بتزيين الشيطان لهم؛ قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 137] ، والشُّركاء هم الشياطين، وقيل: سدنة الأصنام، أوحَوْا لهم هذا ليصل إليهم المال، فكانوا يحرِّمون أبناءهم، ويقتلونهم، ويعطون شركاءهم من مالِهم وأنعامهم، وهذا تفسير الآية قبله {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الأنعام: 136] .
وهكذا يفوز الشركاء بكل شيء، يزعمون أن هذا القسم يذهب إلى الله، فيقبضونه نيابة عنه، فهم الآخذون، والذي لهم يقبضونه هم أيضًا، فمن أجلِ المغانم والإفساد زيَّنوا للمشركين قَتْل أولادهم، فكان الإملاق - أي الفقر - دافعَهم لقتل الأولاد، سواء أكانوا ذكورًا أو إناثًا، كما كانوا يقتُلون البناتِ خشيةَ العار وخوف السبيِ؛ قال الله تعالى: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [النحل: 58، 59] ، وقال أيضًا في مجالِ تبكيتِ العرب لقَتْلهم البنات: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} [التكوير: 8، 9] .
ولما كان هذا العملُ القبيح فاشيًا في المجتمع العربي الجاهلي، نبَّه الله تعالى عليه في أكثرَ من موقف، فمن أجل خوف العار أخبَرهم أن هذا تصرُّف سيئ: {أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُون} [النحل: 59] ، وبالسؤال الإنكاري: {بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} [التكوير: 9] ، ومن أجلِ خوف الفقر طمأنهم أنه الرزَّاق، وأن رِزْقه يفيض على الجميع؛ صغارًا وكبارًا؛ قال الله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا} [الإسراء: 31] ، وقد يكونُ الرِّزق بسبب هؤلاء الأولاد؛ لقوله: {نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ} [الإسراء: 31] ، فجعَل الرِّزق لهم، والآباء تبعًا، وفي آية الأنعام: {نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} [الأنعام: 151] ، جعَل الرِّزقَ للآباء،