فهرس الكتاب

الصفحة 152 من 156

شعبة قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( شِعار المؤمنين على الصراط يوم القيامة: ربِّ، سلِّم سلِّم ) ) [1] ؛ أخرجه الترمذي.

فهنا استعارة لعبارة (الصراط المستقيم) بمعنى الدِّين الحقِّ؛ وذلك للارتباطِ القوي بينهما؛ فالدِّين الحقُّ هو كالطَّريق المستقيم الذي لا مَيْلَ فيه ولا عوج، وكذلك فإن أتباعَ هذا الدِّين الحق سيجُوزون على هذا الصراطِ المستقيم الذي سيوصلهم إلى الجنَّة، وأما الناكبون عن طريق الحق، فإنهم لن يستطيعوا اجتيازَ الصراط المستقيم، فهناك إذًا ارتباطٌ وثيق بين الصراط المستقيم والطريق الحق، وهو الدين، فجاز استعارة الصِّراط المستقيم له؛ فالآية: {وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} [الفتح: 2] يصحُّ فيها: ليهديَكَ إلى الدِّين الحق، ويصح فيها: ليهديَكَ إلى الطريق المستقيم الموصل إلى الجنة، فلا يصل إلى الجنة إلا صاحبُ الدِّين الحق، ولا يصل إلى الجنةِ إلا مَن سلَك الصراط المستقيم؛ فالعبارتان تؤدِّيان إلى معنًى واحد، وإلى هدف واحد وهو الإيمان الحقُّ بالدِّين الحق، وقد ورد المعنيانِ في القرآن الكريم، فما ذكرناه سابقًا من آياتٍ يدلُّ على معنى اتِّباع الدِّين الحق، وما سنذكره الآن يدلُّ على معنى العبور الفعلي فوق الصراط؛ قال الله تعالى: {وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ} [يس: 66] ، وهذا يفسِّره الحديثُ الطويل المرويُّ عند مسلم وفيه: (( ويُعطَى كل إنسان منهم - منافق أو مؤمن - نورًا، ثم يتبعونه، وعلى جسر جهنَّم كلاليبُ وحَسَكٌ تأخذُ من شاء الله، ثم يُطفَأ نور المنافقين، ثم ينجو المؤمنون ) )ويفسر الآية السابقة؛ فمن هولِ الموقف وإرادة الخلاص منه، يُنصَب الصراط، فيستبق الناس إليه، فيطمس الله أعينَ أهل النار، وذلك بإطفاء النور عليهم؛ لأن العينَ لا تُبصِر في الظلام، فكأنها أصبَحَتْ عمية، وذهَب بصرُها؛ قال تعالى: {أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الملك: 22] ، وهذا أيضًا يبيِّنُ حالة الذين يعبُرون على الصِّراط يوم القيامة؛ فالمؤمنون - كما مر في الحديثِ السابق - منهم من يجُوز الصراط كالبرق، ومنهم كمرِّ الرِّيح، ومنهم كمرِّ الطير، ومنهم كجري الرجال، ومنهم من يزحف زحفًا، ومنهم من تخدشه الكلاليب فلا يقع، ومنهم من تخطَفُه الكلاليب فيهوِي في النَّار؛ لذلك دعاهم إلى الإيمان الحق؛ لكي يسيروا بشكل سويٍّ على الصِّراط المستقيم دون تأرجُّح أو عقَبات.

فعند مسلمٍ قال أبو سعيد:"بلغني أن الجسرَ أدقُّ من الشعرة، وأحدُّ من السيف"، فهكذا يراه العصاة.

(1) المصدر نفسه 8006.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت