ثم انتَقَل شُعَيب إلى المجادلة بالحق، وإظهار إفلاسهم، مهما كسَبوا من هذا الفعل القبيح، وأنهم إن عادوا إلى الصوابِ وآمَنوا واعتمدوا على الله الوهَّاب الذي بيدِه مقاليدُ كل شيء، لربِحوا وفازوا؛ قال الله تعالى: {بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [هود: 86] ، فما يُبقيه اللهُ لكم في الحلال هو أكثرُ بركة وبقاءً وخيرًا مما تأخذونه بالغش والحرام، فاسمَعوا نُصحي لكم، فأنا أخوكم، أخاف عليكم، وليس مِن سبيلٍ إلا النُّصح والتذكير، فإذا جاء العذابُ والغضب، فليس لي قدرةٌ على تخليصكم منه؛ فأنا مرسَل ناصح، أُبيِّن لكم سبيل الرشاد؛ لذلك قال: {وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} [هود: 86] ، فما كان منهم بعد هذا البيان الرائع والتذكير المؤثِّر إلا أن صَدُّوا وأصَروا على ما هم فيه؛ لأن قلوبَهم أقسى من الحجارة، لا يعمَلُ فيها وعظٌ ولا تأثير، فقالوا له مستهزئين به مقلِّلين من شأنه: {أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} [هود: 87] ، وهنا أصرُّوا على الكفر، واتِّباع طريقة من سبقهم في الكفر؛ {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} [الزخرف: 23] ، فأصرُّوا على الكفر، كما أصرُّوا على التطفيف، وعدُّوا نُصحه في توفية الكيلِ والميزان حقَّهما تدخُّلًا في حريةِ تصرُّفهم؛ فهذه أموالُهم يفعلون بها ما يشاؤون بزعمِهم، فهم أحرار بها، ولم يعلَموا أن الله استودعهم إياها لأخذها بحقٍّ، وصرفها بحق؛ قال الله تعالى: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور: 33] ، وقال تعالى على لسان موسى: {رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [يونس: 88] .
إذًا هو مال الله، وديعةٌ في أيدي الناس، سيُسأل الإنسانُ عنه؛ من أين اكتسبه؟ وفيمَ أنفَقه؟ فلا يستطيعُ أن يفعل به ما يشاء، كما هي طريقة قوم شُعَيب عليه السلام، ثم قالوا له: {إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} [هود: 87] ، وهذا نوعٌ من التهكم والسخرية به، بمعنى أننا كلنا على الباطل، وداخلون في الغواية، وإنك أنت وحدك الحليمُ والرشيد فينا، ألا ترى أن انفرادَكَ عنا بهذا الرأي يجعَلُك وحدك المخطئَ المخالف لآراء الأغلبية، وقد سمِع الأنبياءُ صلوات الله عليهم كثيرًا من مِثل هذه السخرية، وهذا الموقف من أقوامِهم ضده يُظهِر لنا أن الأغلبيةَ الجاهلية لا تكون على حق، وأن الرأيَ الواحد الراشد يكون على الحق، وإن خالَف الأغلبية، فكم أُقِرَّت في هذا العصر قوانين جائرة باسم الأغلبية؟! وكم اختير من رؤساء وهناك من هو خير منهم بكثير باسم الأغلبية؟! ثم إن شُعيبًا يأخذهم باللِّين والبرهان الساطع ليبين لهم أن الأغلبيةَ ضالَّة لم تهتدِ بعد، وما تراه وهي في عمايتها لا يمثل الحقيقة، فقال لهم: يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ