وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ * قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ [هود: 84 - 87] ، فهذه الآياتُ تحكي خبَر شعيب عليه السلام مع قومه الذين سكنوا مَدْين في شمال جزيرة العرب، وشعيب عليه السلام يسمَّى خطيب الأنبياء؛ لحُسْن مراجعته لقومه، وهو منهم، فقد وجَدهم أهل شرك وتطفيف للكيل والميزان، فأمَرهم بالأهم أولًا: {قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [هود: 84] ، وهذا الأصلُ كما رأينا؛ حيث لا ينفعُ عمل دون إيمان بالله؛ فتصحيحُ العقيدة أولًا، فإذا صحَّت انبنى عليها كلُّ خير، بل وتوجَّه صاحب الإيمان من تلقاء نفسِه للخير؛ وذلك بإلهامٍ من إيمانه الصافي القوي، فلا يقبل قلبُه إلا خيرًا، ويضيق به إن همَّ بالشر، فلو نجح شعيبٌ في إدخال الإيمان إلى قلوبِ قومِه، لكان الأمر الثاني هيِّنًا، لكنهم رفضوا الأمرين معًا بعناد وإصرار، وأراد في الأمر الثاني - وهو نهيُهم عن تطفيف الكيل والميزان وسرقةِ أموال الناس بغير حق - أن يتدرجَ في النصيحة، وأن تكون من واقعهم؛ حيث لم يكتفِ أن يقول: هذا حرام لا يرضاه الله، بل قال لهم: {إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ} [هود: 84] ؛ أي: إن لكم أموالًا كثيرة، فهذا التطفيفُ لا يزيدها كما تتوقعون، فأنتم في خيرٍ ونعمة، فلا تفعلوا هذا فتحلَّ بكم النِّقمة من أجلِ هذا القليل؛ لأنه أخذ بغير حق، ماذا ينقصكم؟ المال عندكم، والمنازل عندكم، فكُفُّوا عن هذا العمل، وبعد أن بَرْهَن لهم بمثَلٍ من واقعهم ومِن معايشتهم، ذكَر لهم أن هذا الأمرَ الذي أنتم عليه يُغضِب الله فقال: {إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ} [هود: 84] ، فانتقل بهم من الإنكارِ الحسي الملموس المعاش إلى التخويف بأمرٍ غيبيٍّ يأتيهم من الله خالِقِهم الذي لا يُرضيه ما يفعَلون، ثم بعد أن شنَّع عليهم فعلهم: {وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ} [هود: 84] ، أعطاهم الحل: {وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ} [هود: 85] ؛ فالرِّضا والسعادة تكون بتوفيةِ المكيال والميزان بالعدلِ، لا بالبَخْس والتطفيف، لو فعلتم هذا عن إيمان لشعَرْتُم بالحلاوة والسعادة، فافعَلوا وجرِّبوا، وإياكم أن تكونوا مفسدين في الأرضِ؛ لأن اللهَ تعالى لا يقرُّ المفسد؛ فهي أرضُ إعمار وإصلاح؛ قال الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30] .
فاللهُ سبحانه استخلَف الإنسان للإعمار والإصلاحِ ولعبادته بالطبعِ؛ {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] ، وإلا فلماذا أهلك الأُمَم المفسدة الضَّالة؟