رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا [هود: 88] ، أعلمهم أنه لا ينطِقُ عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى؛ فهو يخبِرُهم ويبلغهم رسالة الله؛ لذلك كان أرشَدَهم، وكان الحليم فيهم، فما يقول إلا عن بيِّنة من أمره، يقول لهم: هذا كله من رِزق الله لي، ورحمتِه بي؛ حيث خصَّني عنكم بالنبوة والحِكمة والعِلم، بهذا جعلني أميز، وبهذا جعَلني أنهاكم عما تعملون، ثم قال لهم: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} [هود: 88] ، فهل تظنون أنَّني إنما أنهاكم عن التطفيفِ في المكيال والميزان لأبادر أنا بفِعله دونكم؟ لا، إن هذا ليس من سماتِ الأنبياء، هذا من صفات الدجَّالين الذين ينهَوْن عن المنكر، ثم يفعلونه هم؛ فعند البخاريِّ عن أسامة رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( يؤتى بالرجل يوم القيامة، فيُلقى في النار، فتندَلِق أقتابُ بطنه، فيدور بها كما يدور الحمار في الرَّحى، فيجتمع إليه أهلُ النار، فيقولون: يا فلانُ، ما لك؟ ألم تكن تأمُر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى كنتُ آمُرُ بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه ) ) [1] ، والأقتاب: هي الأمعاءُ.
لذلك، مَعاذ الله أن يأمرَ شُعَيب قومه بالكفِّ عن التطفيف، ثم يفعله، لكن ضيق أُفُق قومه، وما جُبِلوا عليه من الشر، جعَلهم يظنون أن شعيبًا يأمرهم بالكف عن التطفيف؛ ليخلوَ له السبيل وحده، فيفعل ما نهاهم عنه، فبرهن لهم أنه إنما نهاهم عن ذلك؛ لخوفِه عليهم من عذاب الله فقال: {إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: 88] ، ثم صبَر عليهم أكثر بعد الاستهزاء به والتُّهم الباطلة التي ألصقوها به، فخوَّفهم مما حصل للأقوامِ الذين سبَقوهم في الضلال؛ {وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ} [هود: 89] ؛ أي: لا يحملنَّكم ما حصل بيني وبينكم من خلافٍ ونزاع وعداوةٍ أن ينسيَكم هذا ما حصَل للأقوام الضالَّة قبلكم، فأحذِّرُكم للمرة الأخيرة، كي تعودوا لرُشدكم، وتفكروا بعقولكم؛ لتتبينوا المصيرَ الذي ينتظركم إن بقِيتم على منكراتكم، لقد كذَّبتموني واجتمعتم على خلافي، واتَّحدتم ضدي، فلا تظنوا أن باطلَكم قد انتصر على حقي، ولا تفرَحوا بهذا، فيُعمِيَكم فرحكم عن النتيجة النهائية التي لم تأتِ بعدُ، اذكروا مَن كان قبلكم، وكيف عاندوا أنبياءَهم، ثم اذكروا ماذا كانت النتيجة؟ فلولا حُبِّي لكم، وشفقتي عليكم، لَمَا أطلتُ نُصحكم، إني أخشى عليكم مِن عذاب محيط، وقد أعذرتُ أمام الله أنني ما رأيتُ بابًا للنُّصح إلا سلكتُه معكم، ولكن لم ترعَوُوا، فشأنكم وما أنتم عليه، فلقد سبقكم قومُ نوحٍ فأغرقهم الله، وقوم هود أخذتهم الريح، وقوم صالح أخذتهم الصَّيحة، وهؤلاء جيرانكم قومُ لوط، انظروا
(1) جامع الأصول 2654.