غالبًا ما يطلق الكتاب على استخدام التراث مصطلح الاستلهام دون الدخول في التفريع أو التصنيف أو التفصيل، فالكاتب يستلهم التراث في كتابته، ولكن تدقيق المصطلح يقودنا إلى أهمية استجلاء المفاهيم الأخرى التي تغدو ظلالًا له، أو مفردات لتركيبه، أو تلك المفاهيم الأخرى التي تجانبه لتكون مصطلحات متميزة والحق أننا نميز بين الاستلهام وسواه من المصطلحات، لأن الاستلهام يشير إلى جهد الكاتب المبذول في إبداع عمل أدبي جديد يستند في شكله أو محتواه، أو في الاثنين معًا إلى التراث، وهذا يختلف عن الإعداد، أو التحويل، أو التقديم على سبيل المثال، إذ يعني العمل فيها إبداعًا جديدًا، أن الاستلهام يفيد الاستعادة، بينما لا يتعدى الإعداد أو التحويل أو التقديم حدود الإعادة على سبيل الشرح أو التعريف.
أ- ويوسع بعضهم مجال الاستلهام إلى الإحاطة بكل أشكال الاستخدام كأن يجيء العمل تفسيرًا جديدًا للتراث مستمدًا من روح العصر الجديد الذي يحياه الفنان، أو أن يتخذ العمل الفني من التراث ديكورًا لأحداث معاصرة، وقاصدًا بذلك إلى المقابلة بين القديم والجديد، أو أن يقوم العمل الفني بتطويع الشكل الذاتي لمضمون جديد كالسامر الشعبي والموال وخيال الظل، أو أن يستعير العمل الفني من التراث مضمونًا بغض النظر عن الموضوع الذي جسد هذا المضمون وبغض النظر عن الشكل الذي صيغ فيه، أو أن يقوم العمل الفني بدور وسيلة الإيضاح التربوية المعروفة، فيقدم المادة التراثية كما هي في ثوب عصري كالمسرح والرواية ويبقى جوهرها ثابتًا دون حذف أو إضافة أو تعديل إلا بمقدار ما يتطلبه (الإعداد) الحديث، أو أن يقدم العمل الفني التراث كأوعية زجاجية صماء جامدة حفاظًا على الأسماء والملابس والأحداث دون أن يفترض ذلك علاقة عضوية أو جدلية مع هذه الأوعية [1] .
(1) المصدر نفسه ص 226 - 227.