كذا قال، وهو قول من يضمر في نفسه السوء للغته قبل قواعدها، ولأمته قبل لغتها، وأقل ما يوصف به أنه دعوة إلى الفوضى اللغويّة وإلى إلغاء سمات العربيّة وهو الإعراب من خلال سلب الحركات وظائفها، والانتقال بها من كونها دوالَّ على موقع الكلمة ووظيفتها إلى جَعْلها مجرد حركات شكليّة لا قيمة لها ولا معنى، وهو ما فتئ يردده في كتابه هذا ويحارب اللغة واللغويين عليه.
ولا يخفى أن إلغاء الضوابط في أي لغة إيذانٌ بهدمها، ولو تبعناه في دعوته هذه لما استغربنا منه بعدها أن يقول: ولماذا لا نعترف أن الفاعل قد يأتي مجرورًا وأن المبتدأ قد يأتي ساكنًا ... إلى أن يصل بنا إلى ما تطمح إليه نفسه من سيرورة العامية وطمس معالم الفصحى وإلغاء هوية العرب.
نعم، لقد اجتهد النحاة عندما صاغوا قواعد العربيّة، فسمعوا من العرب، وقاسوا ما لم يسمعوا على ما سُمع، وحملوا النظير على النظير، وما حذف منه على ما لم يحذف، واجتهدوا في التعليل، وتباينت آراؤهم في بعض المسائل، وربما وقع تكلّف في بعض ما عللوا به، بيد أن هذا كله لا يدفع بنا إلى المساس ببنية لغة لا يعلم إلاّ الله وحده كم قطعت من مراحل النمو والارتقاء حتى آلت إلى ما آلت إليه من النضج والاكتمال، حتى بهرت المشتغلين بها عربًا وعجمًا.
ومهما تباينت أقوال النحاة في تعليل نصب المضارع بعد حتّى أو لام التعليل أو واو المعيّة، أو ... هل انتصب بـ أن مضمرة أو بهذه الأحرف نفسها، أو بالصرف ... فإن هذا لا يمسّ حقيقة أجمع عليها النحاة وهي أنّ النصب مخصوص بتلك المواضع التي تتضمّن فيها تلك الأحرف دلالات معينة كأن تكون الواو بمعنى (مع) وتكون الفاء للسببيّة واللام للتعليل .. وكل ذلك في تراكيب ذات خصائص محددة كأن تقع هذه الأحرف بعد ما يدل على طلب أو ما يشبهه، وليس عمليّة عشوائية كما تصوّرها المؤلف وأراد أن يقعّد لها بقوله:"لماذا لا نعترف أنّ الفعل المضارع في التنزيل الحكيم قد يكون منصوبًا بالرغم من تجرده عن الناصب والجازم!!".
ولا أدري كيف انتهى إلى أنّ نصب المضارع في هذه المواضع هو ممّا اختصّ به التنزيل الحكيم حتى يرميه بهذه العشوائية، ألم يقع في كلام العرب شعرها ونثرها ما لا يُحصى من شواهد على هذه المسألة، أم أنه يعني ما يقول، فالقرآن مقصودُه لأنه الحصن الذي تحتمي به الفصحى، وما تلك الغيرة التي يظهرها هنا وهناك على لغة القرآن إلا شيء مصطنع تمجّه الأسماع.
12 -الفاعل يتقدّم على فعله، خلافًا لما زعمه النحاة:
قال (51) :"لنأخذ المثال الأوّل:"جاء الرجل إلى البيت"، حيث الفاعل (الرجل) ، ولا غبار عليه، ولنغيّر الآن في موقع الفاعل لتصبح الجملة: (الرجل جاء إلى البيت) ، فإذا قلت إن الفاعل في الجملة السابقة مباشرة هو (الرجل) فقد نلت علامة الصفر بجدارة في قواعد النحو العربي ... لأنّ (الرجل) هنا مبتدأ، أمّا فاعل (جاء) فهو ضمير مستتر جوازًا -يرجى الانتباه لكلمة جوازًا- تقديره هو عائد على الرجل .. وهنا نسأل: ما هذا التأويل الغريب، وما هذه القواعد الشاذّة .. إنّ القائم بالفعل هو (الرجل) سواء جاء قبل الفعل أو بعده".
أقول: ليس المؤلف أوّل المعترضين على النحاة في هذه المسألة ولعله لن يكون آخرهم، وهؤلاء جميعًا ذهلوا عن أن لكلّ لغة منطقها، وليس من اللازم أن يكون هذا المنطق مطابقًا لما عليه الحال في علم المنطق ودلائله، بل ليس من اللازم أن يطابق منطق لغة أخرى.
وممّا لا شك فيه أنّ نحاة العربيّة عرفوا علم المنطق وتأثروا ببعض طرائقه في الاستدلال والنظر، إلاّ أنّ الذي صاغ قواعدهم قبل كل شيء هو منطق اللغة نفسه، ولو جئنا إلى باب الفاعل مثلًا رأيناهم يفرّقون على نحو واضح بين الفاعل عند أهل اللغة وأهل المنطق، بقولهم:"الفاعل عند أهل العربيّة هو كل اسم ذكرته بعد فعل وحدَّثتَ بالفعل عنه وبنيته له، وأسندته إليه، فبهذه الصفات يصير فاعلًا، لا لإحداث شيء في الحقيقة. والفاعل عند المتكلمين هو المُحدِث للفعل والمُخرج له من العدم إلى الوجود سواءٌ تقدّم على فعله أو تأخّر عنه، والنحويون يقولون: إن الفاعل إذا تقدّم على الفاعل صار مبتدأ وخبرًا، ولا يسمونه فعلًا وفاعلًا" (52) "."
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)