ـ [العوضي] ــــــــ [05 - 05 - 08, 01:33 ص] ـ
أولًا: المقدّمة.
ليس الغرض من هذه النظرات مصادرة حقّ الآخرين في الكتابة أو النقد، ولو كان المنتَقَدُ قواعد اللغة، أو اللغة نفسها، فالعربيّة لغة هذه الأمّة، وأهمّ مقومات بقائها؛ حظيت عند الأوائل بما لم تحظ به لغة أخرى، ومن حقّ أبنائها في كلّ زمان أن يقولوا فيها ما يعتقدون أنّه الخير والصلاح لها، فهم أهل مكّة، وهم أدرى بشعابها.
بيد أنْ الناظر في أمرِ مَن يدّعون النقد والإصلاح تدخله الريبة فيما يكتبون، وينازعه الشك في أنّ أهل مكّة اليوم -إن كانوا من أهلها حقًّا- ما زالوا يعرفون شعابها، أو يعرفون مكّة نفسها.
ولا ريب أنّ الجهل بأمر هذه الشعاب فيه من الخطر ما فيه، وأقلّ ذلك أنّه يفضي إلى ضرب من العشوائيّة والتيه، هذا إذا أحسنّا الظنّ بهم وبما يصنعون، وإلاّ فإنّ أمرًا قد دُبّر بليل، والغرض ممّا يلهثون وراءه لا يخفى على أحد، فالتخلص من العربيّة وقواعدها، وإحلال العاميّات محلّها مقدّمة لمحو أبرز معالم شخصيّة الأمّة، وقطع حاضرها عن ماضيها، وجعلها جسدًا واهنًا لا طاقة له على الصمود أو البقاء تمهيدًا للإجهاز عليها.
وبين أيدينا نموذجٌ ممّا يكتبه هؤلاء، تجاوز فيه المؤلف حدود النقد إلى الهدم والاجتثاث.
وما كان هذا الكتاب ليستحق الردّ لو نظرنا إلى ظاهره، وهو نقد النحو العربيّ ممثلًا بسيبويه، ففيه من التهافت ما يغني عن الردّ، وقديمًا قالوا"الرديء لا يساوي حمولته"، بيد أنّ مراميه أبعد من ذلك، وهو ما سيظهر للقارئ بجلاء.
ثانيًا: البحث:
هذا الكتاب الذي سمّاه صاحبه"جناية سيبويه" (1) تعدَّدت غاياته، وأقربُها نقد النحو العربيّ، إن جاز لنا أن نسمّي ما جاء فيه نقدًا.
والظاهر أيضًا من عنوانه أنّ مؤلّفه لا يقرّ بتسميته نحوًا عربيًَّا، ولذا عزاه إلى سيبويه، مع أنّه لم يطلّع على كتاب هذا الأخير ولا وقف على شيء من كلامه، وأغلب الظنّ أيضًا أنّه لم يطّلع على مصنفات النحويين ولم يجاوز مقدّمات بعضها في أحسن الأحوال.
ومهما يكن فإنّ النحو الذي أراد الكاتب نقده، وبعبارة أدقّ هدمه واطّراحه، ليس هو تلك الأصول التي بنى عليها النحاة قواعدهم، ولا منهجهم في بناء القاعدة، فهذا ما لا طاقة له به، بل اتجه -وهذا كلّ ما لديه- إلى ما يمكن أن نسميه نماذج من التطبيق الإعرابي، يقف المرء عليها في كتب اللغة العربيّة التي صُنّفت لأغراضٍ تعليميّة، ولا سيّما الكتب المدرسيّة، وإلى بعض مصطلحات الإعراب التي استقرّت عند المتأخرين والمعاصرين ممّا يصاحب عادةً مثل تلك النماذج، ظنًّا منه أن هذا هو نحو سيبويه أو النحو العربيّ.
ولقد اصطنع المؤلّف في إطلالته شيئًا من الحياء، فأسرَّ أنّه كان متردّدًا في نقد النحو، وينتابه الخوف"لأنّ السادة العلماء الأفاضل ومن بعدهم من النحاة قد ربطوه بالقرآن الكريم، فجعلوه كالقرآن لا يحقّ لأحدٍ نقده أو معارضته" (2) .
ولا يخفى ما في هذا التردّد والخوف من تكلّف، لأنّه -أي المؤلّف- يعلم أنّ ما كتبه المعاصرون في نقد النحو العربي وتوجيهه أكثر من أن يحاط به، ولم نسمع عن واحدٍ من هؤلاء أنه استتيب أو طلب منه الرجوع عمّا كتب، ولعله يعلم أيضًا أنّ ابن مضاء القرطبي لم يتردّد قبله بألف سنة، ولم يعتوره خوف حين نقد النحاة في كتابه المشهور"الردّ على النحاة"ولعلّه لم يَبْلُغه أن سيبويه تعرّض للنقد من قبل بعض النحويين كالمبرّد، وهو من مدرسته ومن أتباعه، ولا يخفى على أحد انقسام النحاة إلى طوائف ومدارس حتّى ألّفت في خلافاتهم المطوّلات.
ولو أنّهم ربطوا النحو بالقرآن لما انتهى إلينا شيء من هذا كلّه، ولما رأينا اجتراء بعض النحويين على القرّاء وقراءاتهم أحيانًا فلم يسلم هؤلاء من النقد، ولم يتكلف منتقدوهم الورع. فلا داعي إذًا لهذا الذي تكلّفه إن كان ما يضمره خيرًا للّغة وقواعدها.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)