الْخُزَاعِيّ أَبُو الْعَبَّاس كَانَ نبيلًا عالي الهمة شهمًا وَكَانَ الْمَأْمُون كثير الِاعْتِمَاد عَلَيْهِ لذاته ورعايةً لحق وَالِده وَكَانَ واليًا على الدينور فَلَمَّا خرج بابك الخرمي على خُرَاسَان وأوقع الْخَوَارِج بِأَهْل قَرْيَة الْحَمْرَاء من أَعمال نيسابور وَأَكْثرُوا فِيهَا الْفساد بعث الْمَأْمُون إِلَيْهِ يَأْمُرهُ بِالْخرُوجِ إِلَى خُرَاسَان فَخرج إِلَيْهَا فِي نصف شهر ربيع الأول سنة ثَلَاث عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَحَارب الْخَوَارِج وَقدم نيسابور فِي رَجَب سنة خمس عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَكَانَ الْمَطَر قد انْقَطع عَنْهَا تِلْكَ السّنة فَلَمَّا دَخلهَا أمْطرت دَخلهَا مَطَرا كثيرا فَقَامَ إِلَيْهِ رجل بزازٌ من حانوته وأنشده من المنسرح
(قد قحط النَّاس فِي زمانهم ... حَتَّى إِذا جِئْت جِئْت بالدرر)
(غيثان فِي ساعةٍ لنا قدمًا ... فمرحبا بالأمير والمطر)
وَفِيه يَقُول أَبُو تَمام الطَّائِي وَقد قَصده من الْعرَاق فَلَمَّا انْتهى إِلَى قومس وَقد طَالَتْ عَلَيْهِ الْمَشَقَّة وبعدت الشقة من الْبَسِيط
(يَقُول فِي قومس صحبي وَقد أخذت ... منا السرى وخطى المهرية الْقود)
(أمطلع الشَّمْس تبغي أَن تؤم بِنَا ... فَقلت كلا وَلَكِن مطلع الْجُود)
وَلما وصل إِلَيْهِ أنْشدهُ قصيدته الَّتِي يَقُول فِيهَا من الطَّوِيل
(فقد ثَبت عبد الله خوف انتقامه ... على اللَّيْل حَتَّى مَا تدب عقاربه)
وَكَانَ عبد الله ظريفًا جيد الْغناء نسب إِلَيْهِ صَاحب الأغاني أصواتًا كَثِيرَة نقلهَا عَنهُ أهل الصَّنْعَة وَكَانَ بارع الْأَدَب حسن الشّعْر وَمن شعره من الْخَفِيف نَحن قوم تليننا الحدق النجل على أننا نلين الحديدا طوع أَيدي الظباء تقتادنا الْعين ونقتاد بالطعان الأسودا نملك الصَّيْد ثمَّ تملكنا الْبيض المصونات أعينًا وخدودا
(تتقي سخطنا الْأسود ونخشى ... سخط الخشف حِين يُبْدِي الصدودا)
(فترانا يَوْم الكريهة أحرا ... رًا وَفِي السّلم للغوان عبيدا)
وَقيل إِنَّهَا لأصرم بن حميد وَمن مَشْهُور شعر عبد الله بن طَاهِر من الْخَفِيف)
إغتفر زلتي لتحرز فضل الشُّكْر مني وَلَا يفوتك أجري
(لَا تَكِلنِي إِلَى التوسل بالعذ ... ر لعَلي أَن لَا أقوم بعذري)
وَلما افْتتح عبد الله بن طَاهِر مصر سوغه الْمَأْمُون خراجها سنة فَصَعدَ الْمِنْبَر فَلم ينزل