كأحسن من رَأَيْت من الغلمان وَعَلِيهِ طرّة وَقفا وَعَلِيهِ حلَّة ديباج وَهُوَ يُقَاتل قتالًا شَدِيدا وَيَقُول من الرمل
(أنَا فيِ أمْرَيْ رِشَادٍ ... بَيْنَ غَزْوٍ وَجِهادِ)
(بَدَنِي يَغْزُو عَدوّي ... والهَوَى يَغْزُو فُؤَادِي)
فَقلت يَا غُلَام هَذَا الْقِتَال وَهَذِه الْمقَالة والطرّة والقفا والحلّة لَا يشبه بَعْضهَا بَعْضًا فَقَالَ أَحْبَبْت ربّي فشغلني بحبّه عَن حبّ غَيره فتويّنت للحور الْعين لعلّها تَخْطُبنِي إِلَى مَوْلَاهَا وتوفيّ النباجي فِي حُدُود الْعشْرين والمائتين
سعيد بن البطريق من أهل مصر كَانَ طَبِيبا نصرانيًّا مَشْهُورا عَارِفًا بِالْعلمِ وَالْعَمَل متقدّمًا فِي زَمَانه وَكَانَتْ لَهُ دراية بِمذهب الْأنْصَارِيّ وُلد سنة ثَلَاث وستّين وَمِائَتَيْنِ ولمّا كَانَ أول سنة من خلَافَة القاهر جُعل سعيد بطريركًا عَلَى الإسكندريّة سنة إِحْدَى وَعشْرين وَثَلَاث مائَة وَبَقِي فِي الْكُرْسِيّ والرياسة سبع سِنِين وستّة أشهر وَكَانَ فِي أيّامه شقَاق عَظِيم وشور متّصلة بَينه وَبَين شَعبه واعتلّ بِمصْر بالإسهال فحدس أنّها علّة مَوته فَصَارَ إِلَى كرسيه بالإسكندريّة وَأقَام بِهَا أيّامًا عدَّة وَمَات سنة ثَمَان وَعشْرين وَثَلَاث مائَة لَهُ كتاب فِي طبّ علم وَعمل وكناش كتاب الجدل بَيْنَ الْمُخَالف وَالنَّصْرَانِيّ وَكتاب نظم الْجَوْهَر ثَلَاث مقالات كتبه إِلَى أَخِيه عِيسَى بن البطريق فِي معرفَة صَوْم النَّصَارَى وأعيادهم وتواريخهم وذيّل هَذَا الْكتاب نسيب لسَعِيد بن البطريق يُقَال لَهُ يحيى بن سعيد وسمّاه ذيل كتاب التأريخ أَو تأريخ الذيل
3 - (الطَّبِيب النَّصْرَانِي)
سعيد بن توفيل كَانَ طَبِيبا نَصْرَانِيّا متميّزًا فِي الطبّ فِي خدمَة أَحْمد بن طولون من أطبّائه الخاصّين بِهِ يُسَافر مَعَه فاتّفق لِأَحْمَد بن طولون لمّا كَانَ فِي الشَّام بالثغور هيضة من لبن الجاموس فاعلّل وَحضر إِلَى مصر وسَاق الْحِكَايَة مستوفاةً ابنُ أبي أصيبعة قَالَ وَكَانَ لَهُ شاكري اسْمه هَاشم يخْدم بغله سعيد ويمسكها إِذا دخل إِلَى دَار ابْن طولون وَكَانَ سعيد يَسْتَعْمِلهُ فِي سحق الْأَدْوِيَة وَنفخ النَّار عَلَى الطبوخات ولسعيد ولد حسن الصُّورَة ذكيّ الرّوح حسن الْمعرفَة فَقَالَ ابْن طولون لسَعِيد أريدُ طَبِيبا للحرم يكون مُقيما بالحضرة إِذا عبتُ فَقَالَ لي أحضرهُ فَرَأى شَابًّا رائقًا نظيف الأثواب ظريف الشَّبَاب فَقَالَ أَحْمد لَيْسَ يصلح هَذَا لخدمة الْحرم ابصرْ من يكون قَبِيح الْوَجْه حسن الْمعرفَة فَأخذ سعيد هاشمًا وَألبسهُ درّاعةً وخفًّا ونصبه لخدمة الْحرم فَقَالَ لَهُ عمر بن