فَقلت كم مِقْدَاره قَالَ ثَمَانِيَة عشر صندوقًا فعجبت وَقلت إِذا كَانَ هَذَا مَا خفّ فَكيف يكون مَا ثقل فَقَالَ أَضْعَاف ذَلِك وَقَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ كَانَ ثِقَة عَالما وَقَالَ الْخَطِيب كَانَ حُلْو النادرة حسن الْمعرفَة جيد الشّعْر مَذْكُورا بالسخاء لَهُ كتاب الأغاني الَّذِي رَوَاهُ عَنهُ ابْنه حَمَّاد سمع من مَالك وهشيم وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَبَقِيَّة وَأبي مُعَاوِيَة والأصمعي وَجَمَاعَة وَكَانَ ابْن الْأَعرَابِي يصف إِسْحَاق بِالْعلمِ والصدق وَالْحِفْظ وَقَالَ إِسْحَاق رَأَيْت كَأَن جَرِيرًا ناولني كبّة شعر فأدخلتها فِي فمي فَقَالَ العابر هَذَا رجل يَقُول من الشّعر مَا شَاءَ ونادم إِسْحَاق جمَاعَة من الْخُلَفَاء وَكَانَ لَهُ غُلَام)
يَسْتَقِي المَاء لأهل بَيته فَقَالَ لَهُ يَوْمًا لَيْسَ فِي هَذَا الْبَيْت أَشْقَى مِنْك ومني أَنْت تطعمهم الْخبز وَأَنا أسقيهم المَاء فَضَحِك وَأعْتقهُ حدّثت شهوات جَارِيَة إِسْحَاق الَّتِي كَانَ أهداها إِلَى الواثق أَن مُحَمَّد الْأمين لّما غنّاه إِسْحَاق لحنه فِي شعره
(يَا أَيهَا الْقَائِم الْأمين فدت ... نَفسك نَفسِي بالأهل وَالْولد)
(بسطت للنَّاس إِذْ وليتهم ... يدا من الْجُود فَوق كلّ يَد)
فَأمر لَهُ بِأَلف ألف دِرْهَم فأريتها وَقد أدخلت إِلَى دَارنَا يحملهَا مائَة فرَاش وحدّث إِسْحَاق قَالَ ذكر المعتصم يَوْمًا وَأَنا بِحَضْرَتِهِ بعض أَصْحَابه وَقد غَابَ عَنهُ فَقَالُوا تَعَالَوْا حَتَّى نقُول مَا يصنع فِي هَذَا الْوَقْت فَقَالُوا كَذَا وَقَالُوا كَذَا فبلغن النّوبَة إليّ فَقَالَ قل يَا إِسْحَاق قلت إِذا أَقُول فأصيب قَالَ أتعلم الْغَيْب قلت لَا وَلَكِنِّي أفهم مَا يصنع وأقدر على مَعْرفَته قَالَ فَإِن لم تصب قلت فَإِن أصبت قَالَ لَك حكمك وَإِن لم تصب قلت لَك دمي قَالَ وَجب قلت وَجب قَالَ فَقل قلت يتنفس قَالَ فَإِن كَانَ مَيتا قلت تحفظ السَّاعَة الَّتِي تَكَلَّمت فِيهَا فَإِن مَاتَ قبلهَا فقد قمرتني قَالَ أنصفت قلت فَالْحكم قَالَ احتكم مَا شِئْت قلت مَا أحتكم إلاّ رضاك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ فَإِن رضاي لَك وَقد أمرت لَك بِمِائَة ألف دِرْهَم أَتَرَى مزيدًا قلت مَا أولاك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ بِذَاكَ قَالَ فإنّها مِائَتَا ألف أَتَرَى مزيدًا قلت مَا أحوجني لذاك قَالَ ثَلَاثمِائَة ألف أَتَرَى مزيدًا قلت مَا أولاك بِذَاكَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ يَا صفيق أحد من الْخُلَفَاء بِمثل مَا وصلني بِهِ الواثق وَلَا كَانَ أحد يكرمني إكرامه وَلَقَد غنّيته
(لغلك إِن طَالَتْ حياتك أَن ترى ... بلادًا لَهَا مبدىً لليلى ومحضر)
فاستعاده مني جُمُعَة لَا يشرب على غَيره ثمَّ وصلني بثلاثمائة ألف دِرْهَم
وَمَا وصل إِلَى أحد من الْخُلَفَاء والبرامكة وَغَيرهم مَا وصل إِلَى إِسْحَاق وأخباره فِي الأغاني لأبي الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ مُطَوَّلَة جدا وَله أشعار رائقة مِنْهَا قَوْله
(إِذا كَانَت الْأَحْرَار أُصَلِّي ومنصبي ... ودافع ضيمي خازم وَابْن خازم)