وقال المغيرة بن حبيب: رمقت (1) مالك بن دينار فتوضأ بعد العشاء ثم قام إلى مصلاه
فقبض على لحيته فخنقته العبرة (2) ، فجعل يقول: اللهم حرم شيبة مالك على النار ، إلهي
قد علمت ساكن الجنة من ساكن النار ، فأي الرجلين مالك؟ وأي الدارين دار مالك؟ فلم يزل [ ذلك] (3) قوله حتى طلع الفجر.
وكان عمرو بن عتبة بن فرقد يخرج كل ليلة فيقف على القبور ويقول: يا أهل القبور لقد طويت الصحف ولقد رفعت الأعمال ، ثم يصف قدميه ويصلي الليل كله ، ثم يرجع فيشهد صلاة الصبح.
وقال علي بن أبي الحسن: شبع يحى بن زكريا السلام ليلة من خبز الشعير ، فنام عن حزبه حتى أصبح. فأوحى الله إليه: يا يحيى وجدت دارا لك خيرا من داري؟ أم هل وجدت جوارا خيرا من جواري؟ وعزتي وجلالي لو اطلعت إلى الفردوس اطلاعة لذاب جسمك ، وذهبت نفسك اشتياقا ، ولو اطلعت إلى جهنم اطلاعة لذاب جسمك ، ولبكيت الصديد (4) بعد الدموع ، ولبست الحديد مع المسوح (5) .
وقال مالك بن دينار: سهرت ليلة عن وردي ونمت. فماذا أنا في المنام بجارية كأحسن ما يكون ، في يدها رقعة. فقالت لي: أتحسن أن تقرأ؟ فقلت: نعم. فدفعت إلي الرقعة وإذا فيها: [ من الوافر]
أألهتك اللذائذ والأماني عن البيض الأوانس في الجنان
تعيش مخلدا لاموت فيها وتلهو في الجنان مع الحسان
تنبه من منامك إن خيرا من النوم التهجد بالقران
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( 1 ) رمقته: نظرت إليه.
( 2 ) خنقته العبرة: كاد يبكي.
( 3 ) زيادة لتقويم النص ليست من الأصول.
( 4 ) الصديد: الدم والقيح.
( 5 ) المسوح: الثياب الخشنة من الصوف وكان يلبسها الرهبان.