قال الطبري [1] :"وهذا القول أعني قول من قال: ذهب عن قومه مغاضبًا لربه أشبه بتأويل الآية ، وذلك لدلالة قوله: { فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ } على ذلك . على أن الذين وجهوا تأويل ذلك إلى أنه ذهب مغاضبًا لقومه إنما زعموا أنهم فعلوا ذلك استنكارًا منهم أن يغاضب نبي من الأنبياء ربه ، واستعظامًا له ، وهم بقيلهم: إذ ذهب مغاضبًا لقومه. قد دخلوا في أعظم مما أنكروا .... ثم بين ذلك فقال: لأن ذهابه عن قومه مغاضبًا لهم ، وقد أمره الله تعالى بالمقام بين أظهرهم ، ليبلغهم رسالته ، ويحذرهم بأسه وعقوبته على تركهم الإيمان به والعمل بطاعته ولا شك أن فيه ما فيه ..".
وقد ضعف القاضي وغيره [2] هذا المعنى؛ لأنه لا يليق بالأنبياء. ويمكن القول بأن المعنى الثاني"يجب حمله على معنى القول الأول [3] "أي مغاضبًا قومه من أجل ربه وليس المراد أنه يغاضب ربه عز وجل إذ ينزه الأنبياء عن ذلك.
قال النحاس [4] ـ بعد أن ذكر المعنى الثاني-:"وربما أنكر هذا من لا يعرف اللغة، وهو قول صحيح ، والمعنى: مغاضبًا من أجل ربه كما تقول: غضبت لك أي: من أجلك . والمؤمن يغضب لله عز وجل إذا عصي".
وقال القرطبي [5] :"وقول النحاس أحسن ما قيل في تأويله ، أي: خرج مغاضبًا من أجل ربه ، أي غضب على قومه من أجل كفرهم بربه".
وقال الشنقيطي [6] - بعد أن ذكر قول النحاس-:"والمعنى على ما ذكر: مغاضبًا قومه من أجل ربه: أي: من أجل كفرهم به ، وعصيانهم له ، وغير هذا لا يصح في الآية".
(1) في"المصدر السابق".
(2) انظر"معالم التنزيل"5 / 351،"المحرر الوجيز"11 / 160.
(3) انظر"أضواء البيان"4 / 747.
(4) ذكره عنه القرطبي في"الجامع لأحكام القرآن"11 / 329 ، والشنقيطي في"أضواء البيان"4 / 747.
(5) في"الجامع لأحكام القرآن"11 / 329 .
(6) في"أضواء البيان"4 / 747 . وانظر"محاسن التأويل"5 / 172 .