وقال ابن كثير [1] :"وهذا كله لا ينفي أن يكون الفرار من الزحف حرامًا على غير أهل بدر، وإن كان سبب النزول فيهم ، كما دل عليه حديث أبي هريرة المتقدم ، من أن الفرار من الزحف من الموبقات ، كما هو مذهب الجماهير".
وبهذا يتبين قوة القول الأول،وأن حكم الآية باق إلى يوم القيامة وأن حكمها عام.إلا أن الآيات الأخرى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ ، الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال 65-66] قد بينت المراد، وحصل بها التخفيف ، فهذه الآية مقيدة بها ، فالفرار من الزحف محرم بشرط ما بينه الله في آية الضعف . وهو أن الكفار إن كانوا أكثر من مثليهم جاز الفرار ، وإن كانوا مثلي المسلمين أو دون المثلين فلا يجوز الفرار إلا متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة وعليه عامة أهل العلم [2] وهو ما أشار إليه القاضي بقوله:"ثم بين وخفف بما جاء في الآية الأخرى".
ــــــــــــــــ
(1) في"تفسيره"4 / 30. وانظر"الناسخ والمنسوخ في كتاب الله"2 / 378 .
(2) انظر"جامع البيان"11 / 262 فما بعدها ،"أحكام القرآن"للجصاص 3 / 63 ،"تفسير القرآن"للسمعاني 2 / 254 ،"معالم التنزيل"3 / 338 ،"الجامع لأحكام القرآن"7 / 380،"فتح القدير"2/ 294 ،"محاسن التأويل"4 / 20 ،"تيسير الكريم الرحمن"2 / 193 .