قال أبو جعفر: إن الله جل ثناؤه يفعل بعبده المؤمن من تعريفه إياه سيئات أعماله ، حتى يعرفه تفضله عليه بعفوه له عنها ، فكذلك فعله ، تعالى ذكره ، في محاسبته إياه بما أبداه من نفسه وبما أخفاه من ذلك ، ثم يغفر له كل ذنب ، بعد تعريفه بفضله، وبكرمه عليه ، فيستره عليه ،وذلك هو المغفرة التي قد وعد عباده المؤمنين،فقال: {فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ } [البقرة: 284] "."
قال النحاس [1] - بعد ذكره لحديث ابن عمر - رضي الله عنهم -:"ففي هذا الحديث معنى الآية ، وأنه لا نسخ فيها".
ووجه أصحاب هذا القول المراد بالنسخ في حديث أبي هريرة وابن عمر-رضي الله عنهم- وما جاءت في معناها ، أن معنى ذلك: أن الله نسخ ما وقع في قلوبهم من التكليف بما لا يستطاع ونحو ذلك .
قال النحاس: [2] "أن يكون معنى"نسختها"نسخت الشدة التي لحقتهم".
وقال ابن عطية: [3] "فإن ذهب ذاهب إلى تقرير النسخ فإنما يترتب له في الحكم الذي لحق الصحابة حين فزعوا من الآية".
وقال ابن تيمية [4] - بعدما ذكر الخلاف في نسخ الآية-:"وفصل الخطاب أن لفظ النسخ مجمل ، فالسلف كانوا يستعملونه فيما يظن دلالة الآية عليه من عموم أو إطلاق أو غير ذلك ، كما قال من قال: إن قوله: {اِتَقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } [آل عمران:102] {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ } [الحج:78] نسخ بقوله: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } [التغابن:16] وليس بين الآيتين تناقض ،لكن قد يفهم بعض الناس من قوله: { حَقَّ تُقَاتِهِ } و {حَقَّ جِهَادِهِ } الأمر بما لا يستطيعه العبد فينسخ ما فهمه هذا..."
ـــــــــــــــــــ
(1) في"الناسخ والمنسوخ"2 / 123 .
(2) في"المصدر السابق".
(3) في"المحرر الوجيز"2 / 383 ، وانظر"الجامع لأحكام القرآن"3 / 422 .
(4) انظر"مجموع الفتاوى"14 / 101 ، 106 .