الأول: أنه يقال: عالت المسألة إذا زادت سهامها وكثرة ، وهذا المعنى قريب من الميل لأنه إذا مال فقد كثرت جهات الرغبة وموجبات الإرادة وإذا كان كذلك كان معنى الآية: ذلك أدنى أن لا تكثروا ، وإذا لم تكثروا لم يقع الإنسان في الجور والظلم لأن مطية الجور والظلم هي الكثرة والمخالطة ، وبهذا الطريق يرجع هذا التفسير إلى قريب من التفسير الأول الذي اختاره الجمهور.
الوجه الثاني: إن الإنسان إذا قال: فلان طويل النجاد كثير الرماد ، فإذا قيل له ما معناه ؟ حسن أن يقال: معناه أنه طويل القامة كثير الضيافة ، وليس المراد منه أن تفسير طويل النجاد هو أنه طويل القامة ، بل المراد أن المقصود من ذلك الكلام هو هذا المعنى.
وهذا الكلام تسميه علماء البيان التعبير عن الشيء بالكناية والتعريض ، وحاصله يرجع إلى حرف واحد وهو الإشارة إلى الشيء بذكر لوازمه ، فههنا كثرة العيال مستلزمة للميل والجور ، والشافعي رضي الله عنه جعل كثرة العيال كناية عن الميل والجور ، لما أن كثرة العيال لا تنفك عن الميل والجور ، فجعل هذا تفسيراً له لا على سبيل الكناية والاستلزام ، وهذه طريقة مشهورة في كتاب الله ، والشافعي لما كان محيطاً بوجوه أساليب المطابقة ، بل على سبيل الكلام العربي استحسن ذكر هذا الكلام ، فأما أبو بكر الرازي لما كان بليد الطبع بعيدا عن أساليب كلام العرب ، لا جرم لم يعرف الوجه الحسن فيه.
الوجه الثالث: ما ذكره صاحب"الكشاف"وهو أن هذا التفسير مأخوذ من قولك: عال الرجل عياله يعولهم.