يمكن أن يستدل به على جواز القرعة فِي إعتاق «1» فِي مرضه إذا مات ولا مال له غيرهم ، وفيه «2» نظر ، فإن ذلك كان إقراعا فيما يثبت بتراضيهم ، وكانت القرعة طلبا للرضا ، ورفعا لطلب الاختصاص بطريق الحكم «3» ، كما كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه «4» ، لأن التراضي على ما خرجت به القرعة جائز من غير قرعة ، وكذلك كان حكم كفالة مريم عليها السلام ، وغير جائز وقوع التراضي على نقل الحرية عمن وقعت عليه.
قوله تعالى: (فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ) (61) «5» .
واعلم أن فِي هذا دلالة على أن الحسن والحسين رضي اللّه عنهما ابنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لأنه أخذ بيد الحسن والحسين حين أراد حضور المباهلة ، وقال اللّه تعالى: (نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ) ، ولم يكن للنبي صلّى اللّه عليه وسلم بنون غيرهما ، وقال للحسن:
(1) أي العبيد يعتقهم فِي مرضه ثم يموت.
(2) أي فِي هذا الجواز.
(3) انظر الجصاص ج 2 ص 294.
(4) أخرج البخاري ومسلم فِي صحيحيهما ، وأبو داود فِي سننه ، وابن ماجه فِي سننه عن عائشة رضي اللّه عنها:
«كان إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه ، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه» .
(5) أي يدع كل منها ومنكم نفسه ، وأعزة أهله ، وألصقهم بقلبه ، ممن يخاطر الرجل بنفسه لهم ، ويحارب دونهم ويحملهم على المباهلة.
والمباهلة: الاجتهاد فِي الدعاء باللعن وغيره ، يقال: بهله اللّه أي لعنه ، والبهل: اللعن ، وحكى أبو عبيدة: بهله اللّه يبهله بهلة ، أي لعنة.
ويقول ابن كثير:
«و كان سبب نزول هذه المباهلة وما قبلها من أول السورة إلى هنا فِي وفد نصارى نجران لما قدموا المدينة فجعلوا يحاجون فِي عيسى ويزعمون فيه ما يزعمون من النبوة والإلهية ، فأنزل صدر هذه السورة ردا عليهم كما ذكره الامام محمد بن إسحاق وغيره.
انظر البخاري فِي كتاب المغازي باب قصة نجران ، والقرطبي ج 4 ص 104.
ويقول صاحب محاسن التأويل:
«استنبط من الآية جواز المحاجة فِي أمر الدين ، وأن من جادل وأنكر شيئا من الشريعة جازت مباهلته اقتداء بما أمر به صلّى اللّه عليه وسلم ، والمباهلة الملاعنة» أه.
ويقول ابن القيم فِي زاد المعاد:
«ان السنة فِي مجادلة أهل الباطل إذا قامت عليهم حجة اللّه ولم يرجعوا بل أمروا على العناد أن يدعوهم إلى المباهلة ، وقد أمر اللّه سبحانه بذلك رسوله» أه.