{وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً . .} [النور: 4] لماذا؟ لأنه لم يَعُدْ أهلاً لها ؛ لأنه فاسق {وأولئك هُمُ الفاسقون} [النور: 4] والفاسق لا شهادةَ له ، وهكذا جمع الشارع الحكيم على القاذف حَدَّ الجلْد ، ثم أسقط اعتباره من المجتمع بسقوط شهادته ، ثم وصفه بعد ذلك بالفسق ، فهو في مجتمعه ساقط الاعتبار ساقط الكرامة .
هذا كله ليزجر كل مَنْ تسوِّل له نفسه الخوْضَ في أعراض الحرائر واتهام النساء الطاهرات ؛ لذلك عبَّر عن القَذْف بالرمي ؛ لأنه غالباً ما يكون عن عجلة وعدم بينة ، فالحق - تبارك وتعالى - يريد أن يحفظ مجتمع الإيمان من أن تشيع فيه الفاحشة ، أو مجرد ذكرها والحديث عنها .
ثم يقول الحق سبحانه: {إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن بَعْدِ ذلك وَأَصْلَحُواْ . .} .
اختلف العلماء في معنى الاستثناء هنا: أهو استثناء من الفِسْق؟ أم استثناء من عدم قبول الشهادة؟
ذكرنا أن مشروعية التوبة مِنَّة وتكرُّم من الحق - تبارك وتعالى - لأنه لو لم تشرع التوبة كان مَنْ يقع في معصية مرة ، ولا تُقبل منه توبه يتجرأ على المعصية ويكثر منها ، ولم لا؟ فلا دافعَ له للإقلاع .
إذن: حين يشرع الله التوبة إنما يحمي المجتمع من الفاقدين الذين باعوا أنفسهم ، وفقدوا الأمل في النجاة . فمشروعية التوبة كَرَم ، وقبولها كرم آخر ، لذلك يقول الحق سبحانه: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ليتوبوا . .} [التوبة: 118] أي: شرع لهم التوبة ليتوبوا فيقبل منهم .