الثالث: أنها مخصوصة في رجل من المسلمين أيضاً استأذن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في نكاح امرأة يقال لها"أم مهزول"وكانت من بغايا الزانيات ، وشرطت أن تنفق عليه ؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية ؛ قاله عمرو بن العاص ومجاهد.
الرابع: أنها نزلت في أهل الصُّفّة ، وكانوا قوماً من المهاجرين ، ولم يكن لهم في المدينة مساكن ولا عشائر فنزلوا صُفّة المسجد ، وكانوا أربعمائة رجل يلتمسون الرزق بالنهار ويأوون إلى الصّفة بالليل ، وكان بالمدينة بغايا متعالنات بالفجور ، مخاصيب بالكُسْوة والطعام ؛ فهمّ أهل الصفة أن يتزوّجوهنّ فيأووا إلى مساكنهنّ ويأكلوا من طعامهنّ وكسوتهنّ ؛ فنزلت هذه الآية صيانةً لهم عن ذلك ؛ قاله ابن أبي صالح.
الخامس: ذكره الزجاج وغيره عن الحسن ، وذلك أنه قال: المراد الزاني المحدودُ والزانيةُ المحدودة ، قال: وهذا حكم من الله ، فلا يجوز لزان محدود أن يتزوّج إلا محدودة.
وقال إبراهيم النَّخَعِيّ نحوه.
وفي مصنَّف أبي داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا ينكح الزاني المحدودُ إلا مثله"وروي أن محدوداً تزوّج غير محدودة ففرّق عليّ رضي الله عنه بينهما.
قال ابن العربي: وهذا معنًى لا يصح نظراً كما لم يثبت نقلاً ، وهل يصح أن يوقف نكاح من حُدّ من الرجال على نكاح من حُدّ من النساء! فبأيّ أثر يكون ذلك ، وعلى أيّ أصل يقاس من الشريعة!
قلت: وحكى هذا القول الكِيَا عن بعض أصحاب الشافعي المتأخرين ، وأن الزاني إذا تزوج غير زانية فُرّق بينهما لظاهر الآية.
قال الكِيَا: وإنْ هو عمل بالظاهر فيلزمه عليه أن يجوّز للزاني التزوّج بالمشركة ، ويجوّز للزانية أن تزوّج نفسها من مشرك ؛ وهذا في غاية البعد ، وهو خروج عن الإسلام بالكلية ، وربما قال هؤلاء: إن الآية منسوخة في المشرك خاصّةً دون الزانية.