وهو أشبه بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأحرى أن يظن بحديثه. ولو كان في الحديث أنها لا تمنع لامسًا أو فرج لامس؛ كان اللمس محمولًا على الجماع، ولكنه قال: يد لامس. ويحمل على ما تأوّلنا، وقد وجدنا له شاهدًا في أشعار العرب، قال جرير بن الخطفى:
ألستم لئامًا إذ ترومون جاركم ... ولولاهم لم يدفعوا كفَّ لامس
أراد أنكم لا تمنعون ظالمًا ولا أحدًا يريد أموالكم. انتهى كلامه.
وعلى ما ذكرنا المراد بالنكاح في الآية: التزويج.
وروي عن ابن عباس - في هذه الآية - طريق آخر، وهو ما روى سعيد بن جبير - في هذه الآية - قال: ليس هذا في التزويج، إنما هو في الجماع، لا يجامعها إلا زان أو مشرك، قال: الزاني لا يزني إلا بزانية.
ونحو هذا روى سلمة عن الضحاك - في تفسير هذه الآية - قال: لا يزني حين يزني إلا بزانية مثله، ولا تزني حين تزني إلا بزان مثلها.
وروي عن يزيد بن هارون أنه قال: هذا عندي إن جامعها وهو مستحل فهو مشرك، وإن جامعها وهو محرِّم فهو زان.
وهذا التأويل لا يعترض النسخ على الآية.
قال أبو عبيد: يذهب ابن عباس في رواية سعيد بن جبير إلى أن قوله {لَا يَنْكِحُ} إنما هو الجماع، ولا يذهب به إلي التزويج، والكلمة محتملة للمعنيين جميعًا في كلام العرب، والله أعلم.
وقال أبو إسحاق: قول من قال: إنَّ معنى النكاح هاهنا: الوطء يبعد؛ لأنه لا يعرف شيء من ذكر النكاح في كتاب الله إلا على معنى التزويج كقوله {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى} [النور: 32] {إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} [الأحزاب: 49] ، ولو كان المعنى على الوطء لما كان في الكلام فائدة؛ لأن القائل إذا قال:"الزانية لا تزني إلا بزان، والزاني لا يزني إلا بزانية"فليست فيه فائدة إلا على وجهة التغليظ للأمر، كما تقول للرجل الذي قد عرف بالكذب: هذا كذاب، تريد به تغليظ أمره، والذي فيه الفائدة وتوجيه اللغة أنَّ المعنى معنى التزويج.