فجريمة الزنا من أخطر أمور الحياة كلها؛ بل أشدها تعلقًا بنظامها ودوام سعادتها وهنائها، وتمسكها وترابطها؛ ولذلك اهتم الشارع الحكيم بهذا الحد أكبر اهتمام؛ صونًا للحياة المنزلية من الانهيار، وحفظًا للروابط الأسرية مما يتهددها من بلاء وأخطار، فذكر عقاب من لا يحفظ فرجه وبينه أعظم بيان، وجعله من أشد العقوبات وأفظعها، وأوجب أن لا تأخذنا شفقة ولا رحمة بالجناة، وأن يشهد إقامة الحد جماعة من المؤمنين فقال تعالى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} (النور: 2) .
وقد تكلم ابن القيم عن الحكمة من عقوبة حد الزنا وتغليظه ولما لا تكون بقطع الفرج، وفي الشتم بقطع اللسان؛ كقطع يد السارق؛ فقال: وأما الزاني فإنه يزني بجميع بدنه والتلذذ بقضاء شهوته يعم البدن، والغالب من فعله وقوعه برضا المزني بها؛ فهو غير خائف ما يخافه السارق من الطلب، فعوقب بما يعم بدنه من الجلد مرة، والقتل بالحجارة مرة، ولما كان الزنا من أمهات الجرائم، وكبار المعاصي لما فيه من اختلاط الأنساب الذي يبطل معه التعارف والتناصر على إحياء الدين، وفي هذا هلاك الحرث والنسل فشاكل في معانيه أو في أكثرها القتل الذي فيه هلاك ذلك، فزجر عنه بالقصاص ليرتدع عن مثل فعله من يهم به؛ فيعود ذلك
بعمارة الدنيا وصلاح العالم الموصل إلى إقامة العبادات الموصلة إلى نعيم الآخرة.
ثم إن للزاني حالتين: إحداهما: أن يكون محصنًا قد تزوج فعلم ما يقع به من العفاف عن الفروج المحرمة واستغنى به عنها، وأحرز نفسه عن التعرض لحد الزنا؛ فزال عذره من جميع الوجوه في تخطي ذلك إلى مواقعة الحرام.
والثانية: أن يكون بكرًا لم يعلم ما علمه المحصن ولا عمل ما عمله فحصل له من العذر بعض ما أوجب له التخفيف فحقن دمه وزجر بإيلام جميع بدنه بأعلى أنواع الجلد ردعًا على المعاودة للاستمتاع بالحرام وبعثًا له على القنع بما رزقه اللَّه من الحلال وهذا في غاية الحكمة والمصلحة جامع للتخفيف في موضعه والتغليظ في موضعه، وأين هذا من قطع لسان الشاتم والقاذف وما فيه من الإسراف والعدوان؟