الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً [النُّورِ: 14] فَفَرَّقَ بَيْنَ الْقَذَفَةِ وَالشُّهُودِ ، فَدَلَّ عَلَى افْتِرَاقِهِمْ فِي الْحُدُودِ ، وَلِأَنَّ الْقَذْفَ مَعَرَّةٌ ، وَالشَّهَادَةُ إِقَامَةُ حَقٍّ ، وَلِذَلِكَ إِذَا أَكْثَرَ الْقَذْفَةُ حُدُّوا ، وَلَوْ كَثُرَ الشُّهُودُ لَمْ يُحَدُّوا ، فَاقْتَضَى ذَلِكَ وُقُوعَ الْفَرْقِ بَيْنَهُمْ إِذَا قَلُّوا ، كَمَا وَقَعَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمْ إِذَا كَثُرُوا ، وَلِأَنَّ حُكْمَ كُلِّ
وَاحِدٍ مِنَ الشُّهُودِ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ مُعْتَبَرٌ بِنَفْسِهِ لَا بِغَيْرِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ تَأْخِيرُ غَيْرِهِ عَنِ الشَّهَادَةِ مُوجِبًا لِفِسْقِهِ ، وَلِأَنَّ حَدَّ الشُّهُودِ - إِذَا لَمْ يَكْمُلُوا - مُفْضٍ إِلَى كَتْمِ الشَّهَادَةِ: خَوْفًا أَنْ يُحُدُّوا إِنْ لَمْ يُكْمِلُوا ، فَتُكْتَمُ حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا تُؤَدَّى ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ [الْبَقَرَةِ: 283] ، فَهَذَا تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ فِيهِمْ إِذَا نَقَصَ عَدَدُهُمْ ، وَكَمُلَتْ فِي الْعَدَالَةِ أَوْصَافُهُمْ .