قال تعالى: {هذا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بالحق إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجاثية: 29] ، فكذلك وزن أعمال العباد حجة عليهم، ليعلموا التضييع الذي فعلوا، أو يفهموه عن قرب على ما عملوا.
فأما وزن الأعمال وهي أعراض، فإنما يحدث الله خفة في جانب السيئات، وثقلاً في جانب الحسنات، على ما يشاء لمن أراد، كل ذلك احتجاج منه على خلقه، وتقريع لهم بما عملوا، وهذا مثل استنطاق أيديهم وأرجلهم بما عملوا في الدنيا، حجة منه عليهم، وقد تظاهرت الأخبار بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.
(وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ(11)
قال الأخفش، وقطرب: {ثُمَّ} هنا بمعنى"الواو".
ومنع ذلك سائر البصريين. والمعنى عندهم فيه: ولقد ابتدأنا خلق آدم، ثم صورناه، {ثُمَّ قُلْنَا للملائكة اسجدوا} له بعد تمام خلقه. ودليله قوله تعالى: كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن [فَيَكُونُ] } [آل عمران: 59] .
وقيل المعنى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ} أيها الناس في ظهر آدم، {ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} ، يعني ذريته، في أرحام النساء في صورة آدم.
قاله ابن عباس وغيره.
وقال السدي المعنى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ} ، أي: خلقنا آدم، {ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} يعني: ذريته في الأرحام.
وأخبر عن خلق آدم بلفظ الجماعة؛ لأنه الأصل للجميع، فكأن خلقه خلق الجميع.
والعرب تجعل مخاطبة الرجل لآبائه المعدومين، ومنه قول الله تعالى عز وجل: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور} [البقرة: 63] ، فالخطاب لمن كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، والمراد به من تقدم من آبائهم. فكذلك هذا الخطاب للمؤمنين، والمراد به الخبر عن أبيهم آدم، صلوات الله عليه. وكذلك قال قتادة.