بالاستتار في وقت كل صلاة، بعد أن أعلم أن التعرِّيَ وظُهُورَ السوءَةِ مكروه
من لدن آدم، وقوله بعقب الاستتار:
(وَكُلُوا وَاشْرَبُوا) .
لأنهم ادَّعَوْا أنَّ اللَّه جلّ ثناؤُه قد حرم عليهم شيئاً مما في بطون
الأنعام، وحرم عَلَيْهم البَحِيرَةَ والسائبة، وكانوا يزعُمونَ فيما يأتون من الفحشاءِ كالتعري وما أشبَهَهُ - أن الله جل ثناؤُه - أمرهم بذلك فأمرهم اللَّه بالاستتار، وأن يأكلوا - ما زعموا أن الله عزَّ وجلَّ حرَّمَه مما لم يحرمه، وأن يشربوا مما
زعموا أن اللَّه - جلَّ وعزَّ - حرم عليهم شربه، لأن ألبان البحيرة والسائبة كانت عندهم حراماً.
وقوله: - جلَّ وعزَّ -: (وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) .
والإسراف أن يَأكُلَ مَا لَا يَحِل أكْلُه مما حرمَ اللَّه تعالى أنْ يؤكَلَ شَيء
منه، أو تأكَل مما أحل لك فوق القصد ومقدار الحاجة، فأعلم اللَّه عزَّ وجلَ
أنه لا يحب من أسرف، ومن لم يحْبِبْهُ اللَّه عزَّ وجلَّ فهو في النار ثم قَررَهم
ووَبخهم فقال:
(قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ(32)
أي من حرم أن تلبسوا في طَوَافِكُمْ مَا يَسْتُركمْ.
(وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) .
أي ومن حرم الطيبات مما رزق اللَّه، أي من حرم هذه الأشياءَ التي
ذكرتم أنها حرام.
ثم قال عزَّ وجلَّ: (قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِةِ) .
وتقرأ (خَالِصَةً) و (خَالِصَةٌ) يومَ القيامة.
المعنى أنها حلال للمؤْمنين، وقد يَشْرَكُهمْ فيها الكافرون.
أعلم عزَّ وجلَّ أن الطَّيبَات تَخْلُصُ للمؤْمنين في الآخرة ولا يَشْرَكُهُمْ فيها
كافر.