94 - {قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الْآخِرَةُ:} (23 و) نزلت في اليهود حيث زعموا أنّهم يبعثون ويثابون، وسائر الناس لا بعث لهم ولا نشور. والمراد بالدار الآخرة الجنّة.
وإنّما توجّه عليهم تمنّي الموت بهذه الدعوى لمعنيين: أحدهما مجمع عليه؛ لأنّهم لو باينوا سائر الناس في حكم البعث والنشور لباينوا في حكم كراهية الموت وتمنّيه، دليله رجلان في حبس حكم أحدهما أن يخرج فيقتل، وحكم الآخر أن يخرج فيطلق. والآخر مختلف فيه، وهو جواز التمنّي لمن يرجو ثواب الله وعفوه، من العلماء من يجيزه، ومنهم من لا يجيزه.
و (من) في قوله: {مِنْ دُونِ النّاسِ} صلة، كما في قولك: من فوق، ويحتمل أنّها في الموضعين مكان (في) أو (على) .
والشيء الخالص هو المتفرّد عن غيره المتمحّص في نفسه.
و (تمنّي) الشيء: تشهّيه، وهو إرادة غير المقدور، ومن أدواته (ليت) .
95 - {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً:} كان حكم هذا التحدّي في الآية السابقة حكم التحدّي للمباهلة مع النصارى، قال صلّى الله عليه وسلّم: (والذي نفسي بيده لو تمنّى أحدهم لغصّ بريقه) .
و (الأبد) هو الأمد البعيد، وقد يطلق على بعيد دون بعيد، ومن ذلك قولهم: إلى أبد الأبيد، وأبد الآباد، ويطلق على بعيد للأبعد منه، وهو آخر جزء من أجزاء حياة الرجل أو مدّة الدنيا، وإيّاه عنى فتية الكهف بقولهم: {وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً} [الكهف:20] . وهو
منصوب على الظرف.
والمراد به آخر جزء من أجزاء حياتهم الدنيا بدلالة أنّهم يقولون في النار: {يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ} [الحاقّة:27] .
والباء في {بِما} للسبب.
وقوله: {وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ} على التهديد.
96 - {وَلَتَجِدَنَّهُمْ:} اللام للقسم، تقديره: والله لتحدنّهم، أي: لتلفينّهم. وهو يقتضي مفعولين، وقوله: {أَحْرَصَ} مفعول ثان ههنا، كقولك: وجدت الرجل صالحا.
والحرص: شدّة التمنّي. ووزن (أفعل) للتفضيل ههنا، والتفضيل على الجنس لا يحتاج إلى (من) ، كقولك: الياقوت أفضل الجواهر، وإن وقع على غير الجنس لم يجز إلا بإدخال (من) ، تقول: الياقوت أفضل من الزجاج، والدهن ألين من الماء.
{وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا:} هم المجوس. ويحتمل وجوها أربعة:
أحدها: أنّه معطوف على (الناس) فجيء ب (من) ؛ لأنّ المجوس غير جنس اليهود، كقولك:
الإنسان أحسن الخلائق ومن الحور العين، فالخلائق اسم جنس والحور العين غير جنس.