والوجه في هذا النوع الواحد أنّ السورتين بمنزلة كتابين، والله يقول: {فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ} [البيّنة:3] ، ووجود قصّة واحدة في كتابين معروف واجب، وذلك لا يسمّى تكرارا إذ كلّ كتاب في الحاجة إليها كمثله، وكذلك تضمين قصّة واحدة في قصيدتين أو خطبتين. وقيل:
الفائدة في هذا النوع موجودة، وهي شهود قوم نزول الثانية لم يشهدوا نزول الأولى.
93 -وتكرار قوله: {وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ} أيضا على وجه اللّوم والتّكذيب، ألا ترى أنّه أعاد قوله: {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.}
و (السّمع) : الإجابة، ومنه قول المصلّي: سمع الله لمن حمده، وقال الشاعر: [من الوافر]
دعوت الله حتّى خفت ألاّ...يكون الله يسمع ما أقول
واختلف في قوله: {سَمِعْنا وَعَصَيْنا،} فحمله بعض المفسّرين على الاعتراف والاستعتاب. وبعضهم جعل { (سَمِعْنا) } من إدراك المسموع لا من الإجابة، وقوله:
{ (عَصَيْنا) } تمرد وإباء. وحمل بعضهم قولهم: (سمعنا) في وقت، (وعصينا) في وقت آخر.
{وَأُشْرِبُوا:} سقوا، والإشراب قريب من السّقي حقيقة، ومن المزج مجازا، يقال: وجه مشرب حمرة ودما. وروي عن بعضهم ما يدلّ على حقيقة الشّرب، قال: أنكر بعضهم عبادة العجل فلمّا نسف العجل في اليمّ نسفا أمروا بشرب ذلك الماء، فتشرب قلوب المنافقين وظهرت العلامة على وجوههم فأخذوا وقتلوا.
والواو في { (أُشْرِبُوا) } ضمير ذوي القلوب، وهم الذين قالوا: سمعنا وعصينا.
وقوله: {فِي قُلُوبِهِمُ} كنوع من إبدال البعض من الكلّ، كقولك: ضربت زيدا على صدره.
و {الْعِجْلَ} قائم مقام المضاف إليه، وتقديره: حبّ العجل، وعلى القول الآخر: أجزاء العجل ممّا نسف مع الماء الذي شربوه.
{بِكُفْرِهِمْ:} بشؤم كفرهم، وهو قولهم السابق: {اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ} [الأعراف:138] ، وغيره من الإباء والعناد والتهمة.
{قُلْ:} أمر من القول، لمّا حذفت الواو وأعطيت القاف حركتها، وقع الاستغناء عن همزة الوصل.
{بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ:} كقولك لسفيه متعاقل: بئسما يأمرك عقلك شتم الناس، أو لغاش يدّعي الأمانة: بئسما تأمرك الأمانة إن كنت أمينا.
{إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ:} والكون في مثل هذا الموضع للإثبات في الحال دون الماضي من الزمان، وتقديره: إن أنتم مؤمنون.