{ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ:} اعترفتم وكأنّه أخذ من تقرير الدّعوى. والخطاب فيه متحقّق إلى الموجودين في الحال.
{وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ:} على آبائكم، بأخذ الميثاق عليهم. وقيل: تشهدون على أنفسكم بتوجيه الخطاب عليكم.
والشّهادة هي إخبار عن ثبوت الشيء لأحد أو على أحد، كأنّها من شهود البيّنة حالة وقوع الأمر، أو شهودهم عند القاضي.
85 - {ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ:} نزلت في طائفة من اليهود، قريظة حلفاء الأوس، والنّضير حلفاء الخزرج، بني أخوين من اليهود نزلا يثرب انتظارا للمبعث، فكأنّهم يعينون حلفاءهم المشركين على بني أعمامهم في القتل والأسر والإجلاء والشرّ كلّه، ثمّ يفدي بعضهم أسارى بعض تمسّكا بعهد الله تعالى في هذه الخصلة الواحدة وصلة الرحم وكراهة لرقّ أولاد يعقوب عليه السّلام، فأنزل الله هذه الآية ذمّا لهم في عداوتهم، وتناقض صنيعهم وآرائهم.
و { (أَنْتُمْ) } : كناية عن المخاطبين.
و { (هؤُلاءِ) } : مرفوع في التقدير، وتقديره الخبر أو النّعت أو النّداء، أمّا الخبر فكأنّه قال: أنتم الذين تقتلون أنفسكم، ويجوز إقامة المبهم التامّ مقام المنصوص كقوله: {وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى} [طه:17] ، أي: وما التي بيمينك، والنّعت فكقولك: ها هو ذا، ثمّ يكون
النّعت والمنعوت بمنزلة اسم واحد كما في التأكيد، والنّداء فكأنّه قال: أنتم يا هؤلاء.
{تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ:} تعاونون عليهم، قال الله تعالى: {سِحْرانِ} تَظاهَرا [القصص:48] .
{بِالْإِثْمِ:} أي: الفجور. ولقّن ابن مسعود رجلا: {طَعامُ الْأَثِيمِ} [الدخان:44] :
طعام الفاجر.
{وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ:} (الأسر) : أخذ العدوّ وربطه.
و (الفداء) : فكّ الأسير، وإبدال الشيء مكان الشيء في الإتلاف وإلحاق المشقّة.
{وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ:} { (وَهُوَ) } : عماد جاءت لتعذّر صلة هذه الواو، وإنّما هو فعل في التقدير ألا ترى لو أسقطت (هو) لم يقل: ومحرم عليكم إخراجهم، ولقلت: وقد حرّمنا عليكم إخراجهم. وقيل: (هو) كاسم مبهم، و (إخراجهم) بيانه، كقولك: هذا على الباب زيد. وقيل: هو ضمير الأمر والشأن. (21 و)