وقوله: {أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ} (ما) هنا تحتمل أن تكون نكرة موصوفة في موضع نصب مفسرة للمستكن في (ساء) ، والمخصوص بالذم محذوف تقديره: بئس الشيء شيئًا يزرونه، أي: يحملونه وزرهم، كقوله: {سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ} ، أي: ساء المَثَلُ مَثَلًا مِثْلُ القوم، وأن تكون موصولة في موضع رفع بـ {سَاءَ} ، وقد ذكر نظيرهما فيما سلف من الكتاب بأشبع من هذا.
{وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (32) } :
قوله عز وجل: {وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ} قرئ: بلامين ورفع الآخرة على الوصف. وقرئ: (ولدارُ الآخرةِ) بلام واحدة وجر الآخرة على الإِضافة، والموصوف محذوف، أي: ولدار الحياة الآخرة، ثم حذف الموصوف وأقيمت الصفة مُقامه، وخبر المبتدأ الذي هو الدار في كلتا القراءتين: {خَيْرٌ} .
{قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33) } :
قوله عز وجل: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ} في {قَدْ} هنا ثلاثة أوجه:
أحدهما: بمعنى التقريب.
والثاني: بمعنى التوقع.
والثالث: بمعنى التقليل. والمعنى: قد علمنا ذلك.
والضمير في {إِنَّهُ} : ضمير الشأن، قيل: و {الَّذِي يَقُولُونَ} هو قولهم: ساحر كذاب.
وقوله: {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ} قرئ بفتح الكاف وتشديد الذال، من
كَذَّبه، إذا جعله كاذبًا في زعمه، أو من كَذَّبه، إذا قال له: كذبت.
وقرئ: (لا يُكْذِبونك) بإسكان الكاف وتخفيف الذال، من أكذبه، إذا وجده كاذبًا، كقولك: أحمدته، إذا وجدته محمودًا. وقيل: أكذبته وكذبته بمعنى: نسبته إلى الكذب.
قيل: والمعنى أن تكذيبك أمر راجع إلى الله؛ لأنك رسوله المُصَدَّقُ بالمعجزات، فهم لا يكذبونك في الحقيقة وإنما يكذبون الله بجحود آياته.
وقيل: فإنهم لا يكذبونك لأنك عندهم الصادق الموسوم بالصدق، ولكنهم يجحدون بآيات الله، يعضده ما روي أن أبا جهل كان يقول: ما نكذبك وإنك عندنا المُصَدَّقُ، وإنما نكذب ما جئتنا به.