وقال مالك في غير الموطّأ: إذا بات الصيد ثم أصابه مَيْتاً لم يُنفذ البازي أو الكلب أو السهم مقاتِله لم يأكله ؛ قال أبو عمر: فهذا يَدُلّك على أنه إذا بلغ مَقَاتِله كان حلالاً عنده أكله وإن بات ، إلا أنه يكرهه إذا بات ؛ لما جاء عن ابن عباس:"وإن غاب عنك ليلة فلا تأكل"ونحوه عن الثوريّ قال: إذا غاب عنك يوماً كَرهت أكله.
وقال الشافعي: القياس ألاّ يأكله إذا غاب عنه مَصْرعه.
وقال الأُوزاعيّ: إن وجده من الغد ميتاً ووجدَ فيه سهمه أو أثراً من كلبه فليأكله ؛ ونحوه قال أشهب وعبد الملك وأصْبَغ ؛ قالوا: جائز أكل الصّيد وإن بات إذا نَفَذَت مقاتله ، وقوله في الحديث:"ما لم يُنْتن"تعليل ؛ لأنه إذا أنتن لحِق بالمستقذرات التي تَمُجُّها الطباع فيكره أكلها ؛ فلو أكلها لجاز ، كما: أكل النبي صلى الله عليه وسلم الإهالة السَّنِخَة وهي المنتنة.
وقيل: هو معلَّل بما يخاف منه الضّرر على آكله ؛ وعلى هذا التعليل يكون أكله محرّما إن كان الخوف مُحقَّقاً ، والله أعلم.
الرابعة عشرة واختلف العلماء من هذا الباب في الصيد بكلب اليهوديّ والنصرانيّ إذا كان معلَّما ؛ فكرهه الحسن البصريّ ؛ وأما كلب المجوسيّ وبَازُه وصَقْره فكره الصيد بها جابر بن عبد الله والحسن وعطاء ومجاهد والنخعيّ والثوريّ وإسحاق ؛ وأجاز الصيد بكلابهم مالك والشافعي وأبو حنيفة إذا كان الصّائد مسلماً ؛ قالوا: وذلك مثل شَفْرته.
وأما إن كان الصّائد من أهل الكتاب فجمهور الأُمّة على جواز صيده غير مالك ، وفرّق بين ذلك وبين ذبيحته ؛ وتَلاَ {يا أيها الذين آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ الله بِشَيْءٍ مِّنَ الصيد تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ} [المائدة: 94] قال: فلم يذكر الله في هذا اليهود ولا النصارى.