أي نطاعن على حقائقنا: أي لحماية الحقيقة ، ومن هذا الباب قوله تعالى: {أمسك عليك زوجك} [الأحزاب: 37] ، وقوله صلى الله عليه وسلم {أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك} .
ومعنى الآية إباحة أكل ما صاده الجوارح: من كلاب ، وفهود ، وسباع طير: كالبزاة ، والصقور ، إذا كانت معلّمة وأمسكت بعد إرسال الصائد.
وهذا مقدار اتّفق علماء الأمّة عليه وإنَّما اختلفُوا في تحقّق هذه القيود.
فأمَّا شرط التعليم فاتّفقوا على أنّه إذا أُشلي ، فانْشلى ، فاشتدّ وراء الصيد ، وإذا دُعي فأقبل ، وإذا زجر فانزجر ، وإذا جاء بالصيد إلى ربّه ، أنّ هذا معلّم.
وهذا على مراتب التعلّم.
ويكتفي في سباع الطير بما دون ذلك: فيكتفي فيها بأن تؤمر فتطيع.
وصفاتُ التعليم راجعة إلى عرف أهل الصيد ، وأنَّه صار له معرفة ، وبذلك قال مالك ، وأبو حنيفة ، والشافعي: ولا حاجة إلى ضبط ذلك بمرّتيْن أو ثلاث ، خلافاً لأحمد ، وأبي يوسف ، ومحمد.
وأمّا شرط الإمساك لأجل الصائد: فهو يعرف بإمساكها الصيد بعد إشلاء الصائد إيّاها ، وهو الإرسال من يده إذا كان مشدوداً ، أو أمرُه إيّاها بلفظ اعتدات أن تفهم منه الأمر كقوله:"هذا لَكِ"لأنّ الإرسال يقوم مقام نية الذكاة.
ثم الجارح ما دام في استرساله معتبر حتّى يرجع إلى ربّه بالصيد.
واختلفوا في أكل الجارح من الصيد قبل الإتيان به إلى ربّه هل يبطل حكم الإمساك على ربّه: فقال جماعة من الصحابة والتابعين: إذا أكل الجارح من الصيد لم تؤكل البقية ؛ لأنّه إنَّما أمسك على نفسه ، لا على ربّه.
وفي هذا المعنى حديث عديّ بن حاتم في الصحيح: أنَّه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكلب ، فقال:"وإذا أكَل فلا تأكل فإنَّما أمسك على نفسه"وبه أخذ الشافعي ، وأحمد ، وأبو ثور ، وإسحاق.
وقال جماعة من الصحابة: إذا أكل الجارح لم يضرّ أكله ، ويؤكل ما بقي.