وعن أحمد بن حنبل: ما أعرف أحداً يرخّص فيه (أي في أكل صيده) إذا كان بهيماً ، وبه قال إسحاق بن راهويه ، وكيف يصْنع بجمهور الفقهاء.
وقوله: {تعلمونهن مما علمكم الله} حال ثانية ، قصد بها الامتنان والعبرة والمواهب التي أودعها الله في الإنسان ، إذ جعله معلَّماً بالجبلّة من يومَ قال: {يا آدم أنبئهم بأسمائهم} [البقرة: 33] ، والمواهب التي أودعها الله في بعض الحيوان ، إذ جعله قابلاً للتعلّم.
فباعتبار كون مفاد هذه الحال هو مفاد عاملها تتنزّل منزلة الحال المؤكّدة ، وباعتبار كونها تضمّنت معنى الامتنان فهي مؤسّسة.
قال صاحب"الكشاف""وفي تكرير الحال فائدةُ أنّ على كلّ آخذ عِلماً أن لا يأخذه إلاّ من أقْتَللِ أهلِه علماً وأنْحَرِهم دِراية وأغوصِهِم على لطائفه وحقائقه وإن احتاج إلى أن يضرب إليه أكبادَ الإبل ، فكم من آخذ عن غير متقن قد ضيّع أيّامه وعَضّ عند لقاء النَّحارير أنامله".
اه.
والفاء في قوله:"فكلوا ممّا أمسكن عليكم"فاء الفصيحة في قوله: {وما علّمتم من الجوارح} إن جعلت (ما) من قوله {وما علّمتم} موصولة ، فإن جعلتها شرطية فالفاء رابطة للجواب.
وحرف (من) في قوله {ممّا أمسكن عليكم} للتبعيض ، وهذا تبعيض شائع الاستعمال في كلام العرب عند ذكر المتناوَلات ، كقوله:"كلوا من ثمره".
وليس المقصود النهي عن أكل جميع ما يصيده الصائد ، ولا أنّ ذلك احتراس عن أكل الريش ، والعظم ، والجلد ، والقرون ؛ لأنّ ذلك كلّه لا يتوهّمه السامع حتّى يحترس منه.
وحرف (على) في قوله {ممّا أمسكن عليكم} بمعنى لام التعليل ، كما تقول: سجن على الاعتداء ، وضُرب الصبيّ على الكذب ، وقول علقمة بن شيبان:
ونُطاعن الأعداءَ عن أبنائنا...
وعَلَى بصائرنا وإن لم نُبْصِر