ويقال إكمالُ الدِّين تحقيقُ القَبُولِ في المآلِ ، كما أن ابتداءَ الدِّين توفيقُ الحصول في الحال: فلولا توفيقه لم يكن للدين حصول ، ولولا تحقيقه لم يكن للدين قبول.
ويقال إكمال الدين أنه لم يبق شيء يعلمه الحق - سبحانه - من أوصافه وقد علَّمك.
ويقال إكمال الدين أن ما تقصر عنه عقلك من تعيين صفاته - على التفصيل - أكرمك بأن عرَّفك ذلك من جهة الإخبار.
وإنما أراد بذكر {اليَوْمَ} وقتَ نزول الآية. وتقييد الوقت في الخطاب بقوله {اليَوْمَ} لا يعود إلى عين إكمال الدِّين ، ولكن إلى تعريفنا ذلك الوقت.
والدِّين موهوبٌ ومطلوبٌ ؛ فالمطلوب ما أمكن تحصيله ، والموهوبُ ما سبق منه حصوله.
قوله جلّ ذكره: {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى} .
النعمة - على الحقيقة - ما لا يقطعك عن المنعم بل يوصلك إليه والنعمة المذكورة ها هنا نعمة الدِّين ، وإتمامها وفاء المآل ، واقتران الغفران وحصوله. فإكمال الدين تحقيق المعرفة ، وإتمام النعمة تحصيل المغفرة. وهذا خطاب لجماعة المسلمين ، ولا شك في مغفرة جميع المؤمنين ، وإنما الشك يعتري في الآحاد والأفراد هل يبقى على الإيمان؟
قوله جلّ ذكره: {وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} .
وذلك لما قَسَمَ للخَلْق أديانَهم ؛ فخصّ قوماً باليهودية ، وقوماً بالنصرانية ، إلى غير ذلك من النِّحَلِ والمِلَلِ ، وأفرد المسلمين بالتوحيد والغفران.
وقدَّمَ قومٌ الإكمالَ على الإتمام ، فقالوا: الإتمام يقبل الزيادة ، فلذلك وَصَفَ به النعمة لقبول النِّعم للزيادة ، ولا رتبةَ بعد الكمال فلذلك وصف به الدين.