فإنْ سألتَ عن الشَّعر، وعن جلد المنْخَنِقة والمَوقُوذةِ والمتردِّيَة والنَّطِيحة وما أكل السَّبُعُ، فإنِّي أزعم أنّ جلدهُ لاَ يُدْبَغ وَلاَ يَنْتَفِعُ بِه إلاّ الأساكفة، والقول في ذلك أنّ كلَّهُ محرّم، وإنما ذلك كقوله تعالى: {وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} وكَقَوْله عَزَّ وجَلَّ: {وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ} والعَربُ تقُول للرَّجُل الصانع نجَّاراً، إن كان لاَ يعمل بالمِثْقَبِ والمنشار ونحوه ولاَ يضرب بالمضلع ونحو ذلك، وتسميِّه خبَّازا إذا كان يطبخ ويعجن، وتسمِّي العِيرَ لطيمة، وإن لم يكن فيها ما يحمل العِطْر إلاّ واحد، وتقول: هذه ظُعُنُ فُلاَنٍ؛ للهوادج إذا كانت فيها امرأةٌ واحدة، ويقال: هولاء بنو فُلان؛ وإن كانت نساؤهم أكثرَ من الرجال، فلما كان اللحم هو العمود الذي إليه يُقْصَد، وصار في أعظم الأجزاء قَدْراً، دَخَل سائرُ تلك الأجزاءِ في اسمهِ، ولو كان الشّحمُ معتزلاً من اللّحم ومفْرَداً في جميع الشِّحام، كشحوم الكُلى والثُّروب، لم يجزْ ذلك، وإذا تكلمَتْ على المفردات لم يكن المخُّ لحماً، لا الدِّماغ، ولا العظم، ولا الشّحم، ولا الغُضروف، ولا الكروش، ولا مَا أَشبه ذلك، فلما قال: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} وكانت هذه الأشياء المشبَّهة باللَّحم تدخُل في باب العموم في اسم اللحم، كان القَوْلُ واقعاً على الجميع.
وقال الشاعر:
مَنْ يَأْتِنَا صُبحاً يريدُ غَدَاءَنَا ... فالهَامُ مَنْضَجَةٌ لَدَى الشَّحَّامِ
لحمٌ نَضِيجٌ لاَ يُعنِّي طابخاً ... يُؤْتَى به مِنْ قَبْلِ كلِّ طعامِ انتهى انتهى {الحيوان، للجاحظ} ...