قالوا: إنَّمَا قال اللّه: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} ، فذكر اللَّحمَ دونَ الشّحم، ودونَ الرَّأس، ودونَ المخِّ، ودونَ العصَب، ودون سائرِ أجزائه؛ ولم يذكره كما ذكر المَيْتة بأسرها، وَكذلك الدَّم؛ لأنَّ القول وقع على جملتهما، فاشتمل على جميع خصالهما بِلفظٍ واحد، وهو العموم، وليس ذلك في الخنزير؛ لأنّه ذكر اللّحم من بين جميع أجزائه وليس بين ذِكْر اللَّحْم والعظْم فرق، ولا بينَ اللَّحْمِ والشَّحم فرق، وقد كان ينبغي في قياسكُمْ هذا لو قال: حرِّمت عَلَيْكُمُ الميتَةُ والدَّم وشَحْم الخنزير، أن تحرِّموا الشحم، وإنَّما ذكر اللَّحم، فلِمَ حرّمتم الشحم؛ وما بالُكُمْ؛ تحرِّمونَ الشّحم عند ذكْر غيرِ الشّحم فهلاّ حرَّمتم اللَّحم بالكتاب، وحرَّمتم ما سِواه بالخبر الذي لا يُدْفَع؟ فإن بقيَتْ خصلةٌ أو خَصلتانِ ممَّا لم تُصيبوا ذِكْره في كتابٍ منَزَّل، وفي أثَرٍ لا يدفع، رددتموه إلى جهة العقل، قُلنا: إنّ النَّاس عاداتٍ، وكلاماً يعرِّف كل شيء ٍ بموضعه، وإنما ذلك على قدْر استعمالهم له، وانتفاعهم به، وقد يقول الرجل لوكيله: اشتر لي بهذا الدِّينارِ لحماً، أو بهذه الدراهم، فيأتيهِ باللّحم فيهِ الشّحم والعظْم، والعِرق والعصب والغُضروف، والفُؤَاد والطِّحالُ، والرِّئة، وببعض أسقاط الشاة وحشو البطن، والرأس لحمٌ، والسَّمك أيضاً لحم، وقال اللّه تعالى: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} ، فَإنْ كانَ الرَّسول ذهب إلى المستعمَل من ذلك، وترَكَ بَعْضَ ما يقع عليهِ اسمُ لحم، فقد أخذَ بما عَلَيْهِ صاحبه، فإذا قال حَرَّمتُ عَلَيْكُمْ لحماً، فكأَنّه قال: لحم الشّاة والبقرة والجزور، ولو أنّ رجُلاً قال: أكلت لحما وإَنمَا أكل رأساً أو كبداً أو سمكاً لم يكنْ كاذباً، وللنّاس أن يضعُوا كلامَهم حيثُ أحَبُّوا، إذا كان لهم مجازٌ؛ إلاَّ في المعامَلات، فإنْ قُلت: فما تقول في الجلدِ؟ فَلَيس للخنزير جلد، كما أنّه ليس للإنسان جلدٌ إلاّ بقطع ما ظهر لك منه بما تحتَه، وإنّما الجلْد ما يُسْلخُ ويُدْحَس فيتبرأ ممَّا كان بِه مُلتزقاً ولم يكن مُلتحماً، كفرق ما بين جلد الحَوْصَلة والعِرْقين.