وإنما اختلفُوا في صاحِبِ الحالِ ، فقوله: إنه استثناءٌ ثانٍ مع هذه الأوجه الضَّعيفةِ خَرْقٌ للإجماع إلا ما تقدَّم نقْلُهُ عن بعضهِم منْ أنَّه استثناءٌ ثانٍ ، وعَزَاهُ للبصريين ، لكِنْ لا على هذا المَدْرَكِ الذي ذكره الشيخ.
وقديماً وحديثاً اسْتَشْكَلَ النَّاسُ هذه الآية.
وقال ابن عَطِيَّة: وقد خلطَ الناسُ في هذا الموضع في نصب"غَيْرَ"وقدَّرُوا تَقْدِيماتٍ وتَأخِيراتٍ ، وذلك كُلُّه غيرُ مُرضٍ ؛ لأنَّ الكلام على اطّرادِهِ ، فيمكنُ اسْتِثْناء بعد استثناءٍ.
وهذه الآيةُ مِمّا اتضحَ لِلْفُصَحاء والبُلغَاءِ فَصَاحَتُها وبلاغَتُها ، حتى يُحكَى أنَّهُ قِيلَ لِلْكنديّ: أيّها الحكيمُ ، اعْمَلْ لَنَا مِثْلَ هذا القرآنِ ، فقال: نَعَمْ أعمل لَكُمْ مِثْلَ بعضه ، فَاحْتَجَبَ أيَّاماً كثيرةً ، ثُمّ خرج فقال: والله لا يَقْدِرُ أحدٌ على ذلك ، إنّني فتحتُ [سورة] من المصحف فخرجتْ سورةُ"المائدة"، فإذا هو قَدْ نَطَقَ بالوَفَاءِ ، ونَهَى عن النّكثِ ، وحَلَّل تَحْلِيلاً عامّاً ، ثم اسْتَثْنَى استثناءً بعد استثناءٍ ، ثُمَّ أخبر عَنْ قُدْرتِهِ وحِكْمته في سَطْريْنِ.
والجمهورُ على نَصْبِ"غَيْرَ"، وقرأ ابنُ أبي عَبْلَةَ برفعه ، وفيه وجهان:
أظهرُهُمَا: أنّه نعتٌ لـ"بهيمة الأنعام"والمَوْصُوفُ بـ"غير"لا يلزمُ فيه أنْ يكونَ مُمَاثِلاً لما بَعْدها [في جنسه] تقولُ: مررتُ بِرَجُلٍ غَيْرِ حِمَارٍ ، هكذَا قالُوه ، وفيه نظر ، ولَكِنْ ظاهرُ هذه القراءةِ يَدُلُّ لهم.
والثاني: أنَّهُ نعتٌ للضمير في"يُتلَى".
قال ابنُ عَطِيَّة: لأنَّ {غَيْرَ مُحِلِّي الصيد} في المَعْنَى بمنزلةِ غَيْرِ مُسْتَحَلٍّ إذَا كان صَيْداً ، وفيه تكلُّفٌ ، والصيدُ في الأصلِ مصدرُ: صَادَ يَصِيدُ ويُصَاد ، ويُطْلَقُ على المَصِيدِ ، كدِرْهَم ضَرْبِ الأميرِ.