وأما ما نقله القرطبي عن البصريين ، فإنْ كان النقل صحيحاً فهو يتخرج على ما سنوضحه إن شاء الله تعالى ، فنقول: إنما عرض الإشكال في الآية من جعلهم غير محلى الصيد حالاً من المأمورين بإيفاء العقود ، أو من المحلل لهم ، أو من المحلل وهو الله تعالى ، أو من المتلو عليهم.
وغرّهم في ذلك كونه كتب محلي بالياء ، وقدّره هم أنه اسم فاعل من أحل ، وأنه مضاف إلى الصيد إضافة اسم الفاعل المتعدي إلى المفعول ، وأنه جمع حذف منه النون للإضافة.
وأصله: غير محلين الصيد وأنتم حرم ، إلا في قول من جعله حالاً من الفاعل المحذوف ، فلا يقدر فيه حذف النون ، بل حذف التنوين.
وإنما يزول الإشكال ويتضح المعنى بأن يكون قوله: محلي الصيد ، من باب قولهم: حسان النساء.
والمعنى: النساء الحسان ، وكذلك هذا أصله غير الصيد المحل.
والمحل صفة للصيد لا للناس ، ولا للفاعل المحذوف.
ووصف الصيد بأنه محل على وجهين: أحدهما: أنْ يكون معناه دخل في الحل كما تقول: أحل الرّجل أي: دخل في الحل ، وأحرم دخل في الحرم.
والوجه الثاني: أن يكون معناه صار ذا حل ، أي حلالاً بتحليل الله.
وذلك أن الصيد على قسمين: حلال ، وحرام.
ولا يختص الصيد في لغة العرب بالحلال.
ألا ترى إلى قول بعضهم: إنه ليصيد الأرانب حتى الثعالب لكنه يختص به شرعاً؟ وقد تجوزت العرب فأطلقت الصيد على ما يوصف بحل ولا حرمة نحو قوله:
ليث بعثر يصطاد الرجال إذا ...
ما كذب الليث عن أقرانه صدقا
وقال آخر:
وقد ذهبت سلمى بعقلك كله ...
فهل غير صيد أحرزته حبائله
وقال آخر:
وميّ تصيد قلوب الرّجال ...
وأفلت منها ابن عمر وحجر
ومجيء أفعل على الوجهين المذكورين كثير في لسان العرب.
فمن مجيء أفعل لبلوغ المكان ودخوله قولهم: أحرم الرّجل ، وأعرق ، وأشأم ، وأيمن ، وأتهم ، وأنجد إذا بلغ هذه المواضع وحل بها.