أمدادٍ، وكل مُدٍّ يساوي رطلًا وثُلثًا بالعراقي، فكان وزن صاع المدينة خمسة أرطال وثلث، وبه أخذ الشافعي، وصاع العراق ثمانية أرطال، وبه أخَذ أبو حَنِيفة.
وقد أوصى النبيُّ صلى الله عليه وسلم المسلمين باستعمال الكَيْل والميزان؛ وذلك لإقامة العدل وعدم الغَبْن؛ فعند البخاريِّ أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: (( كِيلوا طعامَكم يُبارَكْ لكم فيه ) )، وأوصى بذلك أيضًا عُثْمان بن عفان، فعنه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال له: (( إذا بِعْتَ فكِلْ، وإذا ابتَعْتَ فاكْتَلْ ) ) [1] ؛ رواه البخاري.
كما أوصى الوزَّانين والكيَّالين فقال لهم: (( إنكم قد وليتم أمرين هلكَتْ فيهما الأممُ السالفة قبْلكم ) )؛ رواه الترمذي عن ابن عباس بإسناد صحيح.
ولا مانعَ أن يزنَ البائع فيزيد؛ وذلك مُستحَب إن طابت نفسُه بذلك؛ فعن جابر بن عبدالله قال:"بِعْتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم بعيرًا في سفر، فلما أتينا المدينةَ قال: (( ائتِ المسجدَ فصلِّ ركعتين ) )، قال: فوزَن لي فأرجَح"؛ أخرجه البخاريُّ ومسلم، وفي رواية أخرى قال لبلال: (( أعطِه أوقية من ذهَبٍ وزِدْه ) )، قال جابر: فأعطاني أوقية [2] من ذهبٍ، وزادني قيراطًا"."
ولا مانعَ من الاتفاق في عصرٍ من العصور على أوزان معينة تصطلح عليها الأمَّة، وتكون موحَّدة معروفة؛ لكيلا يقع غَبْن في اختلاف الأوزان والمكاييل، كما يحصُل في هذه الأيام في اتخاذ (الكيلو غرام) ، والليتر، والمتر، ثم تحوَّلُ الأوزان القديمة والمكاييل إلى ما يساويها في المصطلحات الحديثة، فيُعرف نصابُ الذهب الذي هو عشرون مثقالًا [3] بما يساويه من الغرام، وكذلك نصابُ الفضة والصاع بما يساويه من الوزن بالنسبة للقمح والشعير، أو ما يساويه من الليتر، وكذلك الذِّراع وما يساويه من المِتر؛ فعند البخاريِّ عن السائب بن يزيد قال: كان الصاعُ على عهد رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مدًّا وثلثًا بمُدِّكم اليوم، وقد زِيد في زمن عمرَ بن عبدالعزيز.
فأنت ترى أن عمرَ بن عبدالعزيز قد أحدَث صاعًا آخرَ اقتضته المصلحةُ العامة، ومعرفةُ الوزن لها أهميةٌ في الشريعة الإسلامية؛ وذلك للتعامل الحلال؛ حتى لا يتسربَ من خلال الجهل: الرِّبا إلى هذا التعامل؛ فعند مسلمٍ أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: (( لا تبيعوا الذَّهبَ
(1) المصدر نفسه 257.
(2) الأوقية تساوي: أربعين درهما وزنًا.
(3) الدرهم = 3 غرامات - المثقال = 2 - 7 - 4 غ؛ أي: كل 10 دراهم = 7 مثاقيل، الصاع = 3.5 ليتر - الأوقية = 40 درهمًا = 120 غرامًا.