فهرس الكتاب

الصفحة 1556 من 1842

وعندي فيه ضعف ظاهر، فإنه ليس فيه التصريح بنفي خيار المجلس ولزوم البيع قبل التفرُّق البدني، وغاية ما فيه الإِطلاق وتقييده بالهلاك بعد التفرق سهل لا سيما إذا عُلم أنه كان مذهبه ذلك، أنه لا يلزم البيع إلاَّ بعد الفرقة وإذا جاز ذكر الاحتمال في ذلك الأثر جاز فيه بالطريق الأَوْلى مع أنه لا لزوم بين كونه ملكًا للمشتري وبين انتفاء خيار المجلس، فإن حصول الملك لا ينافي خيار الرؤية وخيار العيب، فيجوز أن لا ينافي خيار المجلس أيضًا. والرابع: أنَّ هذا التفسير يخالف ما قضى به أبو برزة، ونسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما أخرجه الطحاوي والبيهقي أنهم اختصموا إليه في رجل باع جارية فنام معها البائع، فلما أصبح قال: لا أرضى، فقال أبو برزة: إن النبي عليه السلام قال: البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا وكانا في خباء شَعره.

وأخرجا أيضًا عن أبي الوضيء: نزلنا منزلًا، فباع صاحب لنا من رجل فرسًا، فأقمنا في منزلنا يومَنا وليلَتَنَا، فلما كان الغد قام الرجل يسرِّج فرسه، فقال صاحبه: إنك قد بعتني، فاختصما إلى أبي برزة، فقال: إن شئتما قضيتُ بينكما بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمعته يقول: البيِّعان بالخيار ما لم يتفرَّقا وما أُراكما تفرقتما.

وأجاب عنه الطحاوي بقوله: في هذا الحديث ما يدُّل على أنهما تفرَّقا بأبدانهما، لأن فيه أن الرجل قام يسرِّج فرسه، فقد تنحّى بذلك من موضع إلى موضع فلم يراعِ أبو برزة ذلك، وقال: ما أراكما تفرَّقتُما؟ أي لمّا كنتما متشاجِرَيْن أحدكما يدَّعي البيع والآخر يُنكره لم تكونا تفرقتما الفُرقة التي يتمُّ بها البيع. انتهى.

ولي فيه نظر: أما أولًا فلأنَّ هذا التأويل إن صح في الأثر الثاني لم يصح في الأثر الأول، وأما ثانيًا فلأنه يحتمل أن يكون أبو برزة يظن أن الافتراق إنما يكون بغيبوبة أحدهما من الآخر، لا مجرَّد القيام والافتراق فلا يلزم عليه رعاية التنحِّي، وأما ثالثًا: فلأنَّ حمل التفرُّق الواقع في كلام أبي برزة على التفرُّق القولي مما يأبى عنه الفهم السليم، وكيف يُظَنُّ به أنه حكم بمجرد التخاصم بعدم التفرُّق القولي،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت