فكان الإمام أحمد يحارب هذا المسلك الشائن المهزوم محاربة شعواء، وينابذه ويطارده في كل مكان.
يقول: تركنا أصحاب الرأي، وكان عندهم حديث كثير. فلم نكتب عنهم؛ لأنهم معاندون للحديث، لا يفلح منهم أحد [1] .
وحين قال له رجل: أكتب كتب الرأي. قال: لا تفعل، عليك بالآثار والحديث. فقال له السائل: إن عبد الله بن المبارك قد كتبها. قال له: ابن المبارك لم ينزل من السماء، إنما أمرنا أن نأخذ العلم من فوق [2] .
وهذا هو منهج السلف الصالح وخيار الأمة، يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إياكم وأصحاب الرأي، فإنهم أعداء السنن. أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا [3] .
وإلى جانب ذلك: فإنه كان يخشى الخطأ في الأحكام، وانصراف الناس عن حفظ السنن، كما يؤثر الابتعاد عن أسباب الشهرة وارتفاع الصيت [4] .
بل بلغ به شدة التوقي من غوائله أنه كان ينهى تلاميذه حتى عن كتابة رأيه وفتاويه، ولما أحس يوما بإنسان يكتب ومعه ألواح في كمه، قال له: لا تكتب رأيي؛ لعلي أقول الساعة مسألة ثم أرجع غدا عنها [5] .
وهذه طريقة سار عليها المتقدمون من أئمة السنة، لا يرون كتابة المسائل ولا الكلام، إنما كانوا يحفظون السنن والآثار، ويجمعون الأخبار
(1) رواية ابن هانئ (المسائل) 2/ 168، 236).
(2) رواية المستملي، ابن أبي يعلى في"طبقات الحنابلة" (1/ 329) .
(3) أخرجه الخطيب البغدادي في (الفقيه والمتفقه) (1/ 180) ، وابن حزم في الأحكام) (2/ 1019) .
(4) ينظر: صالح بن أحمد بن حنبل، (المسائل) (1/ 141) .
(5) رواية أحمد بن حسان بن أبي يعلى (طبقات الحنابلة) (1/ 39) .