أنه قال رجل في غزوة تبوك:
ما رأينا مثل قرَّائنا هؤلاء [1] ، أرغَبَ بُطونًا، ولا أكذب ألسُنًا، ولا أجبنَ عند اللقاء [2] -يعني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه القُرّاء -، فقال له عوف بن مالك: كذبتَ، ولكنّك منافق، لأخبرنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - [3] .
(1) قوله: «ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء» القرّاء جمع قارئ، وهم عند السلف: الذين يقرؤون القرآن، ويعرفون معانيه، فأما قراءته من غير فهم لمعناه فلا يوجد في ذلك العصر، وإنما حدث بعد ذلك. قاله في «الشرح» *.
(2) قوله: «أرغب بطونًا» أي أوسع بطونًا، يصفونهم بسعة البطون، وكثرة الأكل «ولا أكذب ألسنًا ولا أجبن عند اللقاء» يعني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه القرّاء، وقد كذب؛ فإن الصحابة هم أحسن الناس اقتصادًا في الأكل وغيره، بل المنافقون والكفّار أوسع بطونًا وأكثر أكلًا كما صحت بذلك الأحاديث «إن المؤمن يأكل في معاء واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء» ** وكذلك المنافقون، وهم أشدّ الناس جبنًا وأكذب خلق الله كما وصفهم بذلك في كتابه، وهذا القول الصريح في الاستهزاء. وأما الفعل الصريح فمثل مدّ الشفة، وإخراج اللسان، ورمز العين. قاله في «إبطال التنديد» ***؛ ولهذا قال له عوف: كذبتَ، ولكنّك منافق.
وفيه: المبادرة في الإنكار والشدّة على المنافقين، وجواز وصف الرجل بالنفاق إذا قال أو فعل ما يدل عليه. قاله في «الشرح» .
(3) قوله: «لأخبرنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» فيه المسألة العظيمة: أن من هزل بهذا فهو كافر، وأن هذا هو تفسير الآية فيمن فعل ذلك كائنًا من كان، والفرق بين النميمة وبين النصيحة لله ولرسوله. قال المصنف رحمه الله: «فينبغي معرفة الفرق بين
* (ص/539) .
** أخرجه البخاري (5397) ، 5394)، ومسلم (2060) .
*** (ص/248) .
(ص/539 - 540) .