-وقال المنافق: نتحاكم إلى اليهود - لعلمه أنهم يأخذون الرِّشوة - فاتفقا على أن يأتيا كاهنًا في جُهينة فيتحاكما إليه، فنزلت: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ} الآية [النساء: 60] .
وقيل: نزلت في رجلين اختصما فقال أحدهما: نترافع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال الآخر: إلى كعب بن الأشرف. ثم ترافعا إلى عمر، فذكر له أحدهما القصة، فقال للذي لم يرضَ برسول الله - صلى الله عليه وسلم: أكذلك؟ قال: نعم. فضربه بالسيف فقتله.
40 -باب من جَحَد شيئًا من الأسماء والصفات [1]
وقول الله تعالى: {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ} [2]
(1) قوله: «باب مَنْ جحد شيئًا من الأسماء والصفات» أي ما حكمه؟ و «مَنْ» اسم شرط، والجواب محذوف تقديره: فقد كفر، لما كان التوحيد الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه نوعين:
أحدهما: توحيد في المعرفة والإثبات وهو إثبات حقيقة ذات الرب تعالى وصفاته وأفعاله وأسمائه.
والثاني: توحيد في الطلب والقصد، وهو توحيد الإلهية، وهما متلازمان لا يصح أحدهما بدون الآخر.
نبّه المصنف رحمه الله بهذه الترجمة على أن من جحد شيئًا من الأسماء والصفات التي وردت في الكتاب والسنة لم يصحّ توحيده، وإن جحدها كفر يخرج من الإسلام.
(2) قوله: «وقول الله تعالى: {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ} ولما سمعت قريش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يذكر الرحمن أنكروا ذلك فأنزل الله {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ} .
ذكر المفسِّرون أن سبب نزول هذه الآية في صلح الحديبية لما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - عليًَّا بكتابة وثيقة الصلح، فكتب: «بسم الله الرحمن الرحيم» قالوا: لا نعرف الرحمن إلا رحمان اليمامة - وكان مسيلمة قبَّحه الله قد تسمى برحمان اليمامة - فأنزل الله: {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ} أي لا يقرون به، ووجه مطابقة الآية للترجمة أن الله عز وجل سمى جحود اسمه الرحمن الذي هو اسم وصفة كفرًا، فدلّ على أن جحود شيء من الأسماء والصفات كفر.
وقوله: {قُلْ هُوَ رَبِّي} أي قل يا محمد ردًا عليهم في كفرهم بالرحمن تبارك وتعالى، {هُوَ} أي الرحمن {لا إِلَهَ إِلا هُوَ} أي لا معبود بحق سواه، عَلَيْهِ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ أي: إليه مرجعي وأوبتي، فالرحمن اسمه وصفته، فالرحمة وصفه القائم به، فإذا كان المشركون جحدوا اسمًا من أسمائه الذي دل على كماله تعالى فجحود معناه كجحود لفظه، فإن الجهمية يزعمون أنه لا يدل على صفة قائمة به تعالى، وتبعهم على ذلك طوائف من المعتزلة والأشاعرة، فلهذا كفَّرهم كثير من أئمة السنة، ولذا قال العلاّمة ابن القيم في «الكافية الشافية شرح ابن عيسى 1/ 290» :
عشر من العلماء في البلدان ... ولقد تقلّد كفرهم خمسون في
بل حكاه قبله الطبراني ... واللالكائي الإمام حكاه عنهم
ج
فإن الجهمية ومن تبعهم على التعطيل وجحد ما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله بنوا تعطيلهم على أصل باطل أصّلوه من عند أنفسهم قالوا هذه صفات الأجسام فيلزم من إثباتها أن يكون الله جسمًا، هذا منشأ ضلال عقولهم لم يفهموا من صفات الله إلا ما فهموا من خصائص المخلوقين فشبهوا الله أولًا بخلقه ثم عطّلوه من صفات كماله، وشبّهوه ثانيًا بالناقصات والجمادات.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «فجعل المعطلة جحد الصفات توحيدًا، وجعلوا إثباتها تشبيهًا وتجسيمًا وتركيبًا، فسموا الباطل باسم الحق ترغيبًا فيه، وسموا الحق باسم الباطل تنفيرًا عنه، والذي عليه سلف الأمة وأئمتها إثبات ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله على ما يليق بجلاله وعظمته إثباتًا بلا تمثيل، وتنزيهًا بلا تعطيل، فإن الكلام في الصفات فرعٌ عن الكلام في الذات يحتذى حذوه، فكما أَنَّا نثبت لله ذاتًا لا تشبه الذوات، فكذلك نثبت له صفاتًا لا تشبه الصفات، والجهمية المعطلة ومن تبعم على ضلالهم أثبتوا لله ذاتًا لا تشبه الذوات ولم يثبتوا له صفاتًا لا تشبه الصفات فتناقضوا.
وقد ألَّف العلماء من أئمة السلف كتبًا في الردّ عليهم كالإمام
أحمد في ردِّه المشهور، وكتاب «السنة» لابنه عبدالله، وكتاب «الحيدة» المشهور لعبدالعزيز الكناني، وكتاب «السنة» لأبي عبدالله المروزي، ورد عثمان بن سعيد على المريسي، وكتاب «التوحيد» لإمام الأئمة محمد بن خزيمة، وكتاب «السنة» لأبي بكر الخلال، وغيرهم رحمهم الله ورضي عنهم. وفيه: معرفة تفسير آية الرعد وإن جَحْدَ شيءٍ من الأسماء والصفات كفرٌ. قاله المصنف رحمه الله.