واحضره الى بغداد فلم يقم الا قليلا ومات وعين مكانه اكثم التميمي المتعصب لاهل السنة «1» .
اتصل الجاحظ بالمتوكل، وكان سبب ذلك الاتصال انه ذكر لتأديب بعض اولاده، فاستدعاه الى القصر، فلما رآه استبشع منظره فامر له بعشرة آلاف درهم وصرفه «2» . ومعنى ذلك أن اتصال الجاحظ بالخليفة كان عابرا، فلم تتوثق علاقته به كما توثقت باسلافه، اي المأمون والمعتصم والواثق. لم يبال المتوكل بالجاحظ، بل كرهه واشمأز من بشاعته وامر بابعاده. ولا نظن ان بشاعته وحدها كانت السبب في اقصائه من قصر الخلافة، فلا بد من اسباب اخرى أهم منها دفعت المتوكل الى ذلك الموقف من الجاحظ.
واذا لم يحالفه الحظ في التقرب من الخليفة، فقد وفق إلى كسب ود المقربين إليه او اصحاب السلطة امثال أحمد بن أبي دؤاد (239 ه) وابنه محمد (239 ه) والفتح بن خاقان (247 ه) وابراهيم بن عباس الصولي (243 ه) .
اما أحمد بن أبي دؤاد فقد كان يشغل منصب قاضي القضاة منذ عهد المعتصم، ولم يكن الجاحظ على علاقة حميمة به لانه كان منقطعا الى ابن الزيات، مما أوغر صدر القاضي، فلما فتك المتوكل بابن الزيات خاف الجاحظ وهرب الى البصرة متواريا عن انظار القاضي احمد ابن أبي دؤاد. فلاحقه رجال القاضي حتى قبضوا عليه وساقوه مكبلا الى سيدهم في قميص سمل وفي عنقه سلسلة. فلما مثل بين يديه قال القاضي: «ما علمتك الا متناسيا للنعمة كفورا للصنيعة، معدنا
(1) اليعقوبي، التاريخ، ج 2، ص 487.
(2) ابن خلكان، وفيات الاعيان (النهضة المصرية القاهرة، 1948، ط) ج 3، ص 141.