ونفوسهم هائجة. كان لا بد لمن كانت هذه صفته، وهذا نعته، من أن يستعمل الحيلة والحجة، إذا أعجزه البطش والصولة. وكل من كان غيظه يفضل عن حلمه، وحاجته تفضل عن قناعته، فواجب أن ينكشف قناعه، ويظهر سره، ويبدو مكنونه.
وقد أطمعني فيهم مناظرتهم لنا، ومقايستهم لأصحابنا، وقد صاروا بعد السب يحفون، وبعد تحريم الكلام يجالسون، وبعد التصام يستمعون، وبعد التجليح يدارون، والعامة لا تفطن لتأويل كفها، ولا تعرف مقاربتها. فقد مالت إلينا على قدر ما ظهر من ميلها، وأصغت لما ترى من استماعها.
وقد كتبت- مد اللّه في عمرك- في الرد على المشبهة كتابا لا يرتفع عنه الحاذق المستغني، ولا يرتفع عن الريض المبتدئ وأكثر ما يعتمد عليه العامة ودهماء أهل التشبيه من هذه الأمور ويشتمل عليه الفضل من حشوة الناس، ويختدع به المحدثون من الجمهور الأعظم، تحريف آي كثيرة الى غير تأويلها، وروايات كثيرة إلى غير معانيها. وقد بينت ذلك بالوجوه القريبة، والدلالات المختصرة، وبالاشعار الصحيحة والأمثال السائرة، واستشهدت الكلام المعروف، والقياس على الموجود.
وهو مع ذلك كله كتاب قصد، ومقدار عدل، لم يفضل عن الحاجة، ولم يقصر عن مقدار البغية. على أن الكلام لا ينبغي أن يكثر وإن كان حسنا كله، إذا كان السامع لا ينشط له، وجاز قدر احتماله، لأن غاية المتكلم انتفاع المستمع.
وقد قال الأولون: «قليل الموعظة مع نشاط الموعوظ، خير من كثير وافق من الاسماع نبوة، ومن القلوب ملالة» .
قال بكر بن عبد اللّه المزني: ليس الواعظ من جهل أقدار السامعين، وإنابة المرتدين، وملالة المستطرفين.