واللذات كلها إنما تكون بالحواس، والمأكول والمشروب حظ لحاسة الذوق لا يشركها فيه غيرها. فلو أكل الإنسان المسك الذي هو حظ الأنف وجده بشعا واستقذره، إذ كان دما جامدا. ولو تنسم أرواح الأطعمة الطيبة كالفواكه وما أشبهها عند انقطاع الشهوة، أو ألح بالنظر الى شيء من ذلك، عاد ضررا. ولو أدنى من سمعه كل طيب وطيب لم يجد له لذة.
فإذا جاء باب القيان اشترك فيه ثلاثة من الحواس، وصار القلب لها رابعا.
فللعين النظر الى القينة الحسناء والمشهية إذ كان الحذق والجمال لا يكادان يجتمعان لمستمتع ومرتع، وللسمع منها حظ الذي لا مئونة عليه، ولا تطرب آلته إلا إليه.
وللمس فيها الشهوة والحنين إلى الباه. والحواس كلها رواد للقلب، وشهود عنده.
وإذا رفعت القينة عقيرة حلقها تغني حدق إليها الطرف، واصغى نحوها السمع، وألقى القلب إليها الملك، فاستبق السمع والبصر أيهما يؤدي الى القلب ما أفاد منها قبل صاحبه، فيتوافيان عند حبة القلب فيفرغان ما وعياه، فيتولد منه مع السرور حاسة اللمس، فيجتمع له في وقت واحد ثلاث لذات لا تجتمع له في شيء قط، ولم تؤد إليه الحواس مثلها. فيكون في مجالسته للقينة أعظم الفتنة، لأنه روي في الأثر: «إياكم والنظرة فإنها تزرع في القلب الشهوة» . وكفى بها لصاحبها فتنة، فكيف بالنظر والشهوة إذا صاحبهما السماع، وتكانفتهما المغازلة.
إن القينة لا تكاد تخالص في عشقها، ولا تناصح في ودها، لأنها مكتسبة ومجبولة على نصب الحبالة والشرك للمتربطين، ليقتحموا في أنشوطتها، فإذا شاهدها المشاهد رامته باللحظ، وداعبته بالتبسم، وغازلته في أشعار الغناء، ولهجت باقتراحاته، ونشطت للشرب عند شربه، وأظهرت الشوق الى طول مكثه،