فهرس الكتاب

الصفحة 155 من 373

الاجسام وليست لكون الجسم له علة توجبه، ولا يحدث إذا حدث إلا اختيارا وإلا ابتداعا واختراعا، والصوت لا يكون إلا عن علة موجبة ولا يكون إلا توليدا ونتيجة، ولا يحدث إلا من جرمين كاصطكاك الحجرين وكقرع اللسان باطن الاسنان، وإلا من هواء يتضاغط وريح تختنق ونار تلتهب، والريح عندهم هواء تحرك، والنار عندهم ريح حارة، هكذا الأمر عندهم. فلو قالوا لا يكون الشيء مخلوقا في الحقيقة دون المجاز على مجاري اللغة إلا وقد بان اللّه عز وجل باختراعه وتولاه بابتداعه، وكان منه على اختيار. والابتداع الذي يمكن تركه وإنشاء عقيبة بدلا منه على ما كان تولده ونتيجته من أجسام يستحيل أن يخلق من أفعالها ويحلها اللّه منها. والقرآن على غير ذلك جسم وصوت، وذو تأليف وذو نظم وتقطيع، وخلق قائم بنفسه مستغن عن غيره، ومسموع في الهواء ومرئي في الورق ومفصل وموصل، ذو اجتماع وافتراق، ويحتمل الزيادة والنقصان والفناء والبقاء. وكلما احتملته الاجسام ووصفت به الاجرام، كل ما كان كذلك فمخلوق في الحقيقة دون المجاز وتوسع أهل اللغة، فلو كانوا قالوا ذلك لكانوا أصابوا في القياس ووافقوا أهل الحق وكانوا مع الجماعة ولم يضاهوا أهل الخلاف والفرقة ولم يفهموا أنفسهم بقول المشبهة، إذ كان ظاهر قولهم على التشبيه أدل وبه أشبه. ولا يجوز أن أذكر موضع موافقتي لهم ومخالفتي عليهم في صدر هذا الكتاب، لأن التدبير في وضع الكتاب والسياسة في تعليم الجهال أن يبدأ بالاوضح فالأوضح والأقرب وبالاصول قبل الفروع حتى يكون آخر الكتاب لآخر القياس، وآخر الكلام لا يفهم أرشدك اللّه تعالى ولا يتوهم إلا على ترتيب الأمور وتقديم الأصول، فإذا رتبنا الأمور وقدمنا الأصول صارت أواخر المعاني في الفهم كأوائلها ودقيقها كجليلها، وقد علمنا أن بعض ما فيه الاختلاف بين من ينتحل الاسلام أعظم فرية وأشد بلية وأشنع كفرا وأكبر إثما من كثير مما أجمعوا على أنه كفر.

فصل منه: وبعد فنحن لا نكفر إلا من اوسعناه حجة، ولم نمتحن إلا أهل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت