قد قتلنا الغر من ساداتهم ... وعدلناه ببدر فاعتدل
كان تجوير النابتي لربه وتشبيهه بخلقه أعظم من ذلك وأفظع. على أنهم مجمعون على أنه ملعون من قتل مؤمنا، متعمدا أو متأولا. فإذا كان القاتل سلطانا جائرا أو أميرا عاصيا لم يستحلوا سبه ولا خلعه ولا نفيه ولا عيبه، وإن أخاف الصلحاء وقتل الفقهاء وأجاع الفقير وظلم الضعيف وعطل الحدود والثغور وشرب الخمور وأظهر الفجور ... !؟
ثم ما زال الناس يتسكعون مرة ويداهنونهم مرة، ويقاربونهم مرة ويشاركونهم مرة، إلا بقية ممن عصمه اللّه تعالى ذكره، حتى قام عبد الملك بن مروان وابنه الوليد وعاملهما الحجاج بن يوسف ومولاه يزيد بن أبي مسلم. فأعادوا على البيت بالهدم وعلى حرم المدينة بالغزو، فهدموا الكعبة، واستباحوا الحرمة، وحولوا قبلة واسط، وأخروا صلاة الجمعة الى مغيربان الشمس، فإن قال رجل لأحدهم:
اتق اللّه فقد أخرت الصلاة عن وقتها؟ قتله على هذا القول جهارا غير ختل، وعلانية غير سر. ولا يعلم القتل على ذلك إلا أقبح من إنكاره. فكيف يكفر العبد بشيء ولا يكفر بأعظم منه!
وقد كان بعض الصالحين ربما وعظ الجبابرة وخوفهم العواقب وأراهم أن في الناس بقية ينهون عن الفساد في الأرض، حتى قام عبد الملك بن مروان والحجاج ابن يوسف فزجرا عن ذلك وعاقبا عليه وقتلا فيه، فصاروا لا يتناهون عن منكر فعلوه. فاحسب تحويل القبلة كان غلطا، وهدم البيت كان تأولا، واحسب ما رووا من كل وجه أنهم كانوا يزعمون أن خليفة المرء في أهله أرفع عنده من رسوله إليهم، باطلا! ومسموعا مولدا، واحسب وسم أيدي المسلمين ونقش أيدي